اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة، التي تُعرَف كذلك باسم اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة، في ديسمبر 2018م، في ظل الزخم الكبير الذي اكتسبته الوساطة كونها أداة فعّالة لتسوية المنازعات المتعلقة بالتجارة الدولية.
وتهدف هذه الاتفاقية بشكل أساسي إلى إنشاء إطار موحَّد للاعتراف باتفاقات التسوية الدولية الناشئة عن الوساطة، وطريقة إنفاذها.
نطاق التطبيق والاستثناءات:
يقصد بالوساطة: “طريقة أو عملية خاصة وسرية، يساعد فيها طرف ثالث محايد (الوسيط) طرفين أو أكثر في النزاع على التوصُّل إلى حَل مقبول للطرفين (1) “.
نصَّت الاتفاقية على أن تسري أحكامها على اتفاقات الوساطة التي تُبرَم بعد القيام بعمليات الوساطة بين الأطراف، على أن تكون هذه الاتفاقات “دولية” وقت إبرامها.
ويكون اتفاق التسوية دوليًا، إذا كان مَحلُّ عمل اثنين على الأقل من الأطراف في دولتين مختلفتين، أو إذا كانت الدولة التي تقع فيها أماكن عمل الأطراف، مختلفة عن الدولة التي يؤدَّى فيها جزء جوهري من الالتزامات المفروضة بموجب اتفاق التسوية، أو الدولة الأوثق صلة بموضوع اتفاق التسوية.
يتوافق مفهوم مَحلّ العمل السالف ذِكره، مع الممارسات العالمية التجارية الحالية، كما يراعي هياكل الشركات الدولية المعقدة في بعض الأحيان (2).
كما حددت الاتفاقية أنواع اتفاقات التسوية التي تخرج من نطاق تطبيقها، وهي الاتفاقات التالية:
- اتفاقات التسوية المبرمة من مستهلِك لأغراض شخصية أو عائلية.
- الاتفاقات المتعلقة بقوانين الأسرة، والميراث، والعمل.
- الاتفاقات التي تُنفّذ كأحكام قضائية أو قرارات تحكيم؛ وذلك لتجنُّب التعارض مع الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة، مثل: اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وإنفاذها (1958)، واتفاقية لاهاي بشأن الاعتراف بالأحكام القضائية الأجنبية في المسائل المدنية والتجارية (2019) (3).
التزامات أطراف اتفاق التسوية:
تفرض الاتفاقية على الدول الأطراف الالتزام بإنفاذ اتفاقات التسوية، وتمنحهم الحق في الاحتجاج بها أمام الغير.
كما تمنح الاتفاقية كل دولة حرية تحديد الآليات الإجرائية المناسبة لتنفيذ هذه الأحكام، في ضوء الشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية (4).
الشروط الشكلية للاحتجاج باتفاق التسوية:
أوردت الاتفاقية بعض الشروط الشكلية المتطلَّبة للاحتجاج باتفاقات التسوية، وهي كما يلي:
- تقديم اتفاق التسوية موقَّعًا من جميع أطرافه.
- تقديم ما يُثبت أن الاتفاق ناتج عن عملية وساطة (شهادة صادرة من الوسيط على سبيل المثال).
- يَحِقُّ للسلطة المختصة طلب أي مستندات إضافية؛ للتحقق من استيفاء الشروط.
- توقيع الأطراف والوسيط على الخطابات الإلكترونية في حال وجودها.
- يجوز للسلطة المختصة أن تطلب ترجمة لاتفاق التسوية (5).
ونظرًا لعدم وجود نظام مستقر لتطبيق اتفاقات التسوية المنبثقة من الوساطة، كان العديد من الأطراف يقومون بتطبيقها باعتبارها عقدًا مُبرمًا بين أطرافها، يلجأ بموجبه الطرف المتضرر من عدم تطبيقه إلى القضاء، بإقامة دعوى بناء على الإخلال ببنود العقد.(6)
أسباب رفض تطبيق اتفاق التسوية:
قيَّدت الاتفاقية سُلطة الجهات المختصة لدى أطراف اتفاق التسوية، في رفض تطبيق الاتفاق في نطاق الأسباب التالية:
- أسباب تتعلق بالأطراف: كأن يكون أحد الأطراف فاقدًا لأهلية التعاقد.
- أسباب تتعلق باتفاق التسوية: كأن يكون الاتفاق غير واضح، أو غير قابل للتنفيذ، أو غير مُلزِم لأطرافه وفقا لأحكامه، أو تم تعديله بعد الاتفاق عليه.
- أسباب تتعلق بعملية الوساطة: كحدوث مخالفة جسيمة، تقوِّض قدرة طرف على المشاركة في عملية الوساطة، أو عدم إفصاح الوسيط عن معلومات تثير شكوكًا جادة بشأن حياده واستقلاليته.
- أسباب تتيح للمحكمة الرفض من تلقاء نفسها: إذا كان إنفاذ الاتفاق مخالفًا للنظام العام لدى ذلك الطرف، أو إذا كان موضوع النزاع غير قابل للتسوية بالوساطة بموجب قانون ذلك الطرف (7).
- التحفُّظات المسموح بإبدائها:
تسمح الاتفاقية لأي طرف في الاتفاقية في إبداء تحفُّظين رئيسين، هما:
- استثناء اتفاقات التسوية التي تكون الدولة، أو إحدى هيئاتها الحكومية، أو أي شخص يتصرف بالنيابة عن تلك الأجهزة، طرفًا فيها.
- تقييد تطبيق الاتفاقية، فقط على الاتفاقات التي يتفق أطرافها صراحة على خضوعها لها. (8)
وتكمن أهمية هذه التحفظات في منح الدول الأطراف في اتفاقات التسوية قَدْرًا من المرونة، يشجعها على أن تصبح طرفًا في مشروع الاتفاقية الماثلة.
وأخيرًا، يتعين الإشارة إلى أن أهم الإشكاليات التي تواجه الاتفاقية، هي أنها نظَّمت تطبيق اتفاقات التسوية الناتجة عن الوساطة، وليس الاتفاق على اللجوء إلى الوساطة نفسه، الأمر الذي يعني أن نطاقها لا يمتد إلى حالة إخلال أحد الأطراف، رفضه اللجوء إلى الوساطة من الأساس، وذلك على عكس اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وإنفاذها (1958)، التي نظمت تنفيذ أحكام التحكيم، إلى جانب شروط ومشارطات التحكيم ذاتها؛ الأمر الذي يستدعي إدراج هذا التنظيم في الاتفاقية في المستقبل.(9)
الملخص
تناول هذا الموضوع اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2018م والتي تهدف إلى إيجاد إطار قانوني موحد للاعتراف بتسويات النزاعات التجارية الدولية وتنفيذها.
هذه الاتفاقية تسري على التسويات الدولية الناتجة عن عمليات وساطة مستثنيةً بذلك المسائل الأسرية والميراث وتلك المرتبطة بالمستهلكين لضمان التخصص.
كما تُلزم الاتفاقية الدول الأعضاء بإنفاذ هذه التسويات وفق شروط شكلية محددة مع منح الجهات المختصة صلاحية رفض التنفيذ في حالات استثنائية تتعلق بنقص الأهلية أو بطلان الاتفاق.
وتتيح الاتفاقية للدول المرونة عبر إبداء تحفظات معينة رغم وجود ملاحظات نقدية حول اقتصار نطاقها على نتائج الوساطة دون تنظيم الاتفاق الأولي على اللجوء إليها.
تعتبر هذه الوثيقة مرجعاً محورياً لتعزيز الاستقرار في التجارة العالمية عبر تقديم بديل فعّال للتقاضي التقليدي والتحكيم.
اسئلة حول اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة
ما هي شروط اعتبار اتفاق التسوية دولياً وفقاً لاتفاقية سنغافورة؟
ويكون اتفاق التسوية دوليًا إذا كان مَحلُّ عمل اثنين على الأقل من الأطراف في دولتين مختلفتين، أو إذا كانت الدولة التي تقع فيها أماكن عمل الأطراف مختلفة عن الدولة التي يؤدَّى فيها جزء جوهري من الالتزامات المفروضة بموجب اتفاق التسوية، أو الدولة الأوثق صلة بموضوع اتفاق التسوية.
ما الحالات التي يحق فيها للدول رفض تنفيذ اتفاقات التسوية؟
حددت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة (اتفاقية سنغافورة) حالات محددة يحق فيها للسلطات المختصة رفض تنفيذ اتفاق التسوية، وتتنوع هذه الحالات لتشمل ما يلي:
1. أسباب تتعلق بالأطراف أو بصحة الاتفاق نفسه:
- إذا كان أحد أطراف اتفاق التسوية فاقدًا لأهلية التعاقد.
- إذا كان الاتفاق غير مُلزم لأطرافه أو غير نهائي أو جرى تعديله بعد التوقيع عليه.
- إذا كانت بنود الاتفاق غير واضحة أو غير قابلة للتنفيذ وفقاً لأحكامها.
2. أسباب تتعلق بعملية الوساطة:
- وقوع مخالفة جسيمة من قِبل الوسيط للمعايير المطبقة بحيث أثرت هذه المخالفة في قدرة الطرف على المشاركة العادلة في العملية.
- عدم إفصاح الوسيط عن ظروف تثير شكوكاً جادة حول حياده أو استقلاليته، وكان لهذا الإغفال أثر مادي أو تأثير غير مبرر في التوصل لاتفاق التسوية.
3. أسباب تتعلق بالنظام العام والقانون الوطني (ترفضها المحكمة تلقائياً):
- إذا وجدت السلطة المختصة أن إنفاذ الاتفاق يخالف النظام العام للدولة المطلوب التنفيذ فيها.
- إذا كان موضوع النزاع غير قابل للتسوية عن طريق الوساطة بموجب قوانين تلك الدولة.
4. حالات الاستبعاد والتحفظات:
- طبيعة الاتفاق: تخرج الاتفاقات المتعلقة بالمستهلكين (لأغراض شخصية أو عائلية) أو المسائل المتعلقة بقوانين الأسرة أو الميراث أو العمل من نطاق التطبيق. كما ترفض الاتفاقية التعامل مع التسويات التي تُنفذ كأحكام قضائية أو قرارات تحكيم لتجنب التعارض مع اتفاقيات أخرى.
- التحفظات السيادية: يحق للدول رفض التنفيذ إذا أبدت تحفظاً باستثناء الاتفاقات التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها الحكومية طرفاً فيها، أو إذا قيدت الدولة تطبيق الاتفاقية فقط على الحالات التي يتفق فيها الأطراف صراحة على الخضوع لها.
ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقية منحت الدول حرية تحديد الآليات الإجرائية المناسبة لتنفيذ هذه الأحكام مع الالتزام بالشروط الشكلية مثل تقديم الاتفاق موقعاً وإثبات صدوره عن عملية وساطة.
كيف تختلف هذه الاتفاقية عن اتفاقية نيويورك بشأن أحكام التحكيم؟
تختلف اتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة (اتفاقية سنغافورة) عن اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وإنفاذها (1958) في عدة جوانب جوهرية وفقاً لما ورد في المصادر:
1. نطاق التنظيم (الاتفاق المبدئي مقابل النتيجة النهائية):
- تعد هذه من أبرز الإشكاليات حيث إن اتفاقية سنغافورة تنظم فقط تطبيق “اتفاقات التسوية” الناتجة عن الوساطة ولا تمتد لتشمل “الاتفاق على اللجوء إلى الوساطة” نفسه. وهذا يعني أنها لا تعالج حالة إخلال أحد الأطراف ورفضه البدء في عملية الوساطة من الأساس.
- في المقابل اتفاقية نيويورك أكثر شمولاً فهي تنظم تنفيذ أحكام التحكيم النهائية بالإضافة إلى تنظيمها لـ “شروط ومشارطات التحكيم” ذاتها (أي الاتفاق على اللجوء للتحكيم قبل وقوع النزاع أو بعده).
2. تجنب التعارض والتداخل:
- لضمان عدم حدوث تضارب بين الاتفاقيتين، نصت اتفاقية سنغافورة صراحة على استبعاد اتفاقات التسوية التي تُنفذ كقرارات تحكيم من نطاق تطبيقها.
- الهدف من هذا الاستبعاد هو ترك المجال لاتفاقية نيويورك لتغطية تلك القرارات ومنع ازدواجية المعايير القانونية عند التنفيذ.
3. طبيعة العملية محل التنظيم:
- تتعامل اتفاقية سنغافورة مع عملية الوساطة وهي عملية سرية يساعد فيها طرف ثالث محايد الأطراف للتوصل إلى حل مقبول للطرفين (اتفاق ودي).
- أما اتفاقية نيويورك فهي مختصة بـ أحكام التحكيم الأجنبية وهي قرارات ملزمة تصدر عن هيئات تحكيمية تفصل في النزاع.
4. آلية التنفيذ التاريخية:
- قبل وجود اتفاقية سنغافورة كان يتم التعامل مع اتفاقات التسوية باعتبارها عقوداً عادية، وفي حال الإخلال بها كان يتعين على الطرف المتضرر إقامة دعوى قضائية بناءً على “الإخلال ببنود العقد”. بينما وفرت اتفاقية نيويورك منذ عام 1958 إطاراً دولياً مستقراً لتنفيذ أحكام التحكيم بشكل مباشر.
باختصار، بينما تغطي اتفاقية نيويورك عملية التحكيم من بدايتها (الاتفاق عليه) إلى نهايتها (صدور الحكم وتنفيذه)، تركز اتفاقية سنغافورة حالياً على المرحلة النهائية فقط وهي “اتفاق التسوية” الناتج عن الوساطة.
المصادر:
(1) أ.د. سيد أحمد محمود وآخرون، “الوساطة كإحدى وسائل التسوية الودية لفض المنازعات المدنية والتجارية وغيرها” دراسة مقارنة – نحو قانون للوساطة فى مصر، بحث مقدم إلي مؤتمر صياغة العقود والاتفاقيات وأثارها على التحكيم، ص424.
(2) تقرير الفريق العامل الثاني (المعني بتسوية المنازعات) عن أعمال دورته الثامنة والستين بنيويورك، خلال الفترة من 5 إلى 9 فبراير 2018، ضمن الأعمال التحضيرية لاتفاقية الأمم المتحدة، بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة، منشور بالموقع الرسمي للأمم المتحدة، ص 6-7.
(3) المادة الأولي من اتفاقية الأمم المتحدة، بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة الصادرة، في ديسمبر 2018م، في تفصيل ذلك، أ.د. محمد سالم أبو الفرج “اتفاقية سنغافورة الوساطة ومنازعات الاستثمار الدولي” ” دراسة تحليلية الاتفاقية وتحديات الوساطة في منازعات الاستثمار”، المجلة القانونية، كلية الحقوق – جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ص 212 وما بعدها.
(4) المادة رقم (3) من الاتفاقية.
(5) المادة رقم (4) من ذات الاتفاقية.
(6) دافيد تان، مقدمة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة، الناشر Uniform Law Review، المجلد 27 العدد الأول، مارس 2022، ص 37-63 < Prolegomena to the UN Convention on International Mediated Settlement Agreements Resulting from Mediation | Uniform Law Review | Oxford Academic>.
(7) المادة رقم (5) من ذات الاتفاقية.
(8) المادة رقم (8) من ذات الاتفاقية.
(9) تقرير الفريق العامل الثاني ضمن الأعمال التحضيرية، المرجع السابق، ص 15، دافيد تان، المرجع السابق، ص 37-63.