حرص المجتمع الدولي على وضع إطار قانوني لتنظيم معاملاته، وعلاقاته القانونية الناشئة عنها، فكانت الاتفاقيات الدولية -ومنها اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي فيينا 1980- خيرَ سبيل للوصول إلى هذه الغاية.
وقد انضمَّت المملكة إلى هذه الاتفاقية، التي تُعَدُّ بمثابة قانون واجب التطبيق أمام هيئات التحكيم الدولية في منازعات عقود البيع الدولي؛ لوجود شرط التحكيم في معظمها (1)، وصادقت عليها بتاريخ 3/8/2023، وبدأ نفاذها منذ 1/9/2024، مع تمسّكها بالتحفُّظ على الجزء الثالث منها، واشتراطها عدم الالتزام به (2).
المقصود بعقد البيع الدولي للبضائع وفقًا لاتفاقية فيينا 1980:
يُقصد به: “ذلك العقد الذي يكون محله بضائع، ويُبرم بين أطراف توجد أماكن عملهم في دول مختلفة، بشرط أن تكون هذه الدول دولًا متعاقدة -أي طرفًا في الاتفاقية-، أو عندما تؤدي قواعد القانون الدولي الخاص إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة (3)، ولا يجوز الأخذ في الاعتبار جنسية الأطراف، ولا الصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد في تحديد هذه الاتفاقية (4).
البيوع التي تخرج عن نطاق عقد البيع الدولي للبضائع:
لا تسري أحكام هذه الاتفاقية على البيوع التالية:
1- البضائع التي تُشترى للاستعمال الشخصي، أو العائلي، أو المنزلي، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل إتمام العقد أو وقت انعقاده -ولا يُفترض فيه أن يعلم- أن البضائع اشتُريت لاستعمالها في أي وجه من الوجوه المذكورة.
2- بيوع المزاد.
3- البيوع التي تعقب الحجز، أو غيرها من البيوع التي تتم بموجب أمر من السلطة القضائية.
4- الأوراق المالية، والأوراق التجارية، والنقود.
5- السفن، والمراكب، والحوامات، والطائرات.
6- الكهرباء (5).
لا شكَّ في أن هذه البيوع المستبعَدة السالف ذِكرها أقلُّ ملاءمة لحماية مصالح المشتري مقارنة بالنظام الداخلي الذي يعلن أنه صالح في حالة عدم قابلية تطبيق هذه الاتفاقية (6).
التزامات البائع في عقد البيع الدولي للبضائع:
يجب على البائع أن يسلِّم البضائع والمستندات المتعلقة بها، وأن ينقل مِلْكية البضائع على النحو الذي يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية (7)، وتتمثل الالتزامات فيما يلي:
1-الالتزام بتسليم البضائع:
غالبًا ما يتضمن عقد البيع الدولي للبضائع المقترن بعملية نقلٍ عبر الحدود -خاصة النقل البحري- التزامَ البائع بتسليم البضاعة إلى ناقل في مكان معين غير منشأة البائع -ولطالما كان ذلك الموقع ميناءً بحريًا (8)– لإيصالها إلى المشتري، كما يجوز إلزام البائع بوضع بضاعة تحت تصرُّف المشتري في مكان معين (9) ، وفي التاريخ المحدد في العقد، أو التاريخ الذي يمكن تحديده بالرجوع إلى العقد.
2- الالتزام بتسليم المستندات:
إذا كان البائع مُلزَمًا بتسليم المستندات المتعلقة بالبضائع، فإن عليه أن يوفي بهذا الالتزام في الزمان والمكان المعينين في العقد، وعلى النحو الذي يقتضيه العقد والاتفاقية (10).
3- الالتزام بالمطابقة:
يُقصد به الالتزام بتحقيق النتيجة، ومفاده تقديم البضائع والمستندات الخاصة بها وفقًا لما يستلزمه العقد ويفرضه القانون الواجب التطبيق، سواء كان قانونًا وطنيًا أم اتفاقية دولية(11)، فيجب على البائع أن يُسلِّم بضائع تكون كميتها، ونوعها، وأوصافها، وكذلك تغليفها وتعبئتها، مطابقةً لأحكام العقد (12)، كما يتعيَّن على البائع أن يسلِّم بضائع خالصة من أي حق أو ادِّعاء للغير، إلا إذا وافق المشتري على أَخْذ هذه البضائع مع وجود مِثْل هذا الحق أو الادعاء، ومع ذلك، إذا كان الحق أو الادعاء مبنيًا على المِلكية الصناعية أو أي مِلكية فكرية أخرى، فإن التزامات البائع تخضع لأحكام المادة (42) من ذات الاتفاقية (13).
وهي ما تسمَّى بالمطابقة القانونية، وتنقسم إلى المطابقة القانونية بوجه عام، والمطابقة القانونية حال وجود مِلكية صناعية أو فكرية، أقرَّتها اتفاقية فيينا1980، بواسطة قواعد خاصة، تُنظِّم التزام البائع في حال تعرُّض المشتري لحقوق أو ادعاءات، تنشأ عن المِلكية الصناعية، أو أي مِلكية فكرية أخرى تتصل بالبضائع، وتكون هذه الادعاءات صادرة عن الغير (14).
الملخص
يتناول الموضوع اتفاقية فيينا لعام 1980 كإطار قانوني دولي يحكم عقود البيع العابرة للحدود مع الإشارة إلى انضمام المملكة العربية السعودية إليها مؤخراً. يوضح الموضوع نطاق تطبيق هذه الاتفاقية على العقود المبرمة بين أطراف في دول مختلفة مستثنياً بعض البيوع مثل السلع الشخصية والأوراق المالية والمزادات القضائية. ويركز الشرح بشكل أساسي على التزامات البائع الجوهرية والتي تشمل تسليم البضائع في الموعد والمكان المحددين ونقل ملكيتها رسمياً للمشتري. كما يسلط الضوء على الالتزام بالمطابقة الذي يفرض على البائع تقديم سلع تتوافق مع المواصفات المتفق عليها وتخلو من أي حقوق أو ادعاءات قانونية للغير. كما يؤكد النص على ضرورة تسليم كافة المستندات المتعلقة بالبضائع لضمان سير العملية التجارية وفق المعايير القانونية الدولية.
اسئلة حول التزامات البائع في عقود البيع الدولي للبضائع
ما هي الالتزامات الاساسية للبائع في عقود البيع الدولي للبضائع؟
تمثل الالتزامات الأساسية للبائع في عقود البيع الدولي للبضائع وفقًا لاتفاقية فيينا 1980 في ثلاثة التزامات رئيسة تهدف إلى ضمان وصول البضاعة للمشتري وفق الشروط المتفق عليها وهي كما يلي:
الالتزام بتسليم البضائع:
يجب على البائع تسليم البضاعة للمشتري في التاريخ المحدد في العقد أو الذي يمكن تحديده منه. وغالبًا ما يتضمن هذا الالتزام تسليم البضاعة إلى ناقل في مكان معين (عادة ما يكون ميناءً بحريًا) لإيصالها للمشتري أو وضع البضاعة تحت تصرف المشتري في مكان محدد.
الالتزام بتسليم المستندات:
يلتزم البائع بتسليم كافة المستندات المتعلقة بالبضائع في الزمان والمكان المعينين في العقد وبالشكل الذي يقتضيه العقد والاتفاقية.
الالتزام بالمطابقة:
ويُقسم هذا الالتزام إلى نوعين:
- المطابقة المادية: وتتعلق بتقديم بضائع تطابق أحكام العقد من حيث الكمية والنوع والأوصاف بالإضافة إلى طريقة التغليف والتعبئة.
- المطابقة القانونية: وتقتضي أن يُسلم البائع بضائع خالصة من أي حق أو ادعاء للغير. ويشمل ذلك الحماية من الادعاءات الناشئة عن الملكية الصناعية أو الفكرية حيث تنظم الاتفاقية التزامات خاصة بالبائع في حال تعرض المشتري لمثل هذه الادعاءات.
بالإضافة إلى ما سبق يقع على عاتق البائع التزام عام بنقل ملكية البضائع إلى المشتري على النحو الذي يقتضيه العقد والاتفاقية. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية قد انضمت لهذه الاتفاقية وبدأ نفاذها فيها منذ 1 سبتمبر 2024 مع تحفظها على الجزء الثالث منها.
ما هي انواع السلع المستثناة من اتفاقية فيينا 1980؟
تستثني اتفاقية فيينا 1980 أنواعاً محددة من البيوع والسلع التي لا تسري عليها أحكامها وهي كالآتي:
البضائع المخصصة للاستعمال الشخصي:
ويشمل ذلك السلع التي تُشترى للاستخدام العائلي أو المنزلي إلا في حالة واحدة وهي أن يكون البائع لا يعلم (ولا يُفترض فيه أن يعلم) وقت انعقاد العقد أن البضاعة اشتُريت لهذا الغرض.
بيوع المزاد:
تخرج مبيعات المزايدات عن نطاق تطبيق الاتفاقية.
البيوع القضائية:
وهي البيوع التي تتم بموجب أمر من السلطة القضائية أو تلك التي تعقب الحجز.
الأوراق المالية والنقدية:
وتشمل الأوراق المالية والأوراق التجارية والنقود.
وسائل النقل الكبيرة:
وتتضمن السفن والمراكب والحوامات والطائرات.
الكهرباء:
تُستثنى الكهرباء صراحةً من نطاق تطبيق الاتفاقية.
وقد أشارت المصادر إلى أن استبعاد هذه البيوع يأتي لكونها قد تجد حماية أفضل لمصالح المشتري في الأنظمة الداخلية الوطنية في حال عدم قابلية تطبيق الاتفاقية الدولية عليها. وتستند هذه الاستثناءات إلى المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
المصادر:
(1) راجع حالة الاتفاقية على موقع لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة (اليونسترال) تاريخ دخول 30/9/2025 الساعة الثامنة مساء. https://uncitral.un.org/ar/texts/salegoods/conventions/sale_of_goods/cisg/status .
(2) راجع ذات الموقع بالذات التاريخ https://uncitral.un.org/ar/texts/salegoods/conventions/sale_of_goods/cisg/status .
(3) المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
(4) الفقرة الثالثة من المادة الأولى من ذات الاتفاقية، في تفصيل ذلك، أ.د. محسن شفيق اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البيع الدولي البضائع “دراسة في قانون التجاري الدولي” بدون تاريخ، دار النهضة العربية بالقاهرة ص 59 وما بعدها.
(5) المادة الثانية من ذات الاتفاقية.
(6) في تفصيل ذلك، المطول في العقود بإشراف جاك جستان، “بيع السلع الدولي” تأليف فانسان هوزيه ترجمة الأستاذ/ منصور القاضي، توزيع منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ص 98 وما بعدها.
(7) المادة (30) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع فيينا 1980.
(8) د. أشرف رمضان عبد العال “انتقال تبعة الهلاك وفقًا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع فيينا 1980” رسالة دكتوراه حقوق القاهرة، 2009، ص 168 وما بعدها.
(9) المادة (31/5) من ذات الاتفاقية
(10) المادة (34) من ذات الاتفاقية.
(11) أ.د. جمال محمود عبد العزيز “البيع الدولي للبضائع” دراسة خاصة في الالتزام بالمطابقة في العقد البيع الدولي للبضائع وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة فيينا 1980، طبعة 2018، دار النهضة العربية، القاهرة ص 3.
(12) المادة (35/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع فيينا 1980.
(13) المادة (41) من ذات الاتفاقية.
(14) في تفصيل ذلك، أ.د. جمال محمود عبد العزيز “المرجع السابق” ص 236 وما بعدها.