لقد كان للتطور الهائل في معدلات التنمية الاقتصادية دور محوري في ظهور تعارضٍ للمصالح في العلاقات التجارية، الأمر الذي دَعَت معه الحاجة لاستحداث وسائلَ جديدةٍ لفَضِّ المنازعات، بعيدًا عن ولاية القضاء العادي (1)؛ حيث يُعَدُّ التحكيم أحدَ أهم هذه الوسائل، وفيه يتفق الأطراف على عرض منازعتهم على شخص أو أشخاص مُختارِين؛ لكي يتولَّوا الفصل فيها(2).
وقد واكبت المملكة تلك التطورات التي يشهدها العالم المعاصر، الذي بات يُعوِّل على التحكيم للفصل في الكثير من المنازعات؛ فأصدرت أوّل نظام تحكيم في عام 1403هـ (3)، ثم أصدرت النظام الجديد في عام 1433هـ (4)؛ ليصبح بديلًا للنظام السابق (5).
المقصود بالقانون واجب التطبيق:
يُقصد بالقانون واجب التطبيق على موضوع النزاع أمام التحكيم أنه: مجموعة القواعد القانونية، التي يرى المُحكَّم أنها المناسبة للتطبيقِ على النزاعِ، سواء أكان مصدرها قانونًا وطنيًا أم مشتقّةً من مجموعةِ قوانينَ وطنية، أم أنَّها قواعدُ متعارفٌ عليها في مجالِ التجارةِ الدوليةِ، بعيدًا عن القوانينِ الوطنيةِ للدول (6).
معايير القانون واجب التطبيق على اتفاق التحكيم:
أوضحت المادة الثانية من نظام التحكيم معايير القانون واجب التطبيق على اتفاق التحكيم، فنصَّت على أنه: “مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام الاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفًا فيها، تسري أحكام هذا النظام على كل تحكيم، أيًّا كانت طبيعة العلاقة النظامية التي يدور حولها النزاع، إذا جرى هذا التحكيم في المملكة، أو كان تحكيمًا تجاريًّا دوليًّا يُجرى في الخارج، واتَّفق طرفاه على إخضاعه لأحكام هذا النظام. ولا تسري أحكام هذا النظام على المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، والمسائل التي لا يجوز فيها الصلح”.
ويتضح من النص آنف الذِّكر، أن نظام التحكيم قد عوَّل على مِعيارين لتحديد القانون واجب التطبيق، وهما: قانون مكان التحكيم، وقانون الإرادة، وسوف نتناول هذين المعيارَيْن فيما يلي:
- معيار قانون مكان التحكيم:
تنصُّ المادةُ الخامسةُ (1/أ) من اتفاقيةِ نيويورك لعامِ 1958 -التي انضمَّت إليها المملكةُ في 19/4/1994- على أنَّه: “لا يجوزُ رفضُ الاعترافِ والتنفيذِ بالنسبةِ للقرارِ التحكيمي؛ إلّا إذا تمَّ -بناءً على طلبِ الطرفِ المطلوبِ تنفيذُ القرارِ ضدَّه- تقديمُ هذا الطرفِ الدليلَ على ما يلي أمامَ السلطةِ: إنَّ طرفَي العقدِ المشارِ إليه في المادةِ (2) كانا فاقدَي الأهليةِ في نظرِ القانونِ الذي ينطبقُ عليهما، أو إذا كان الاتفاقُ (المعقودُ) بينهما غيرَ صحيحٍ في نظرِ القانونِ الذي أخضعه إليه الطرفان، أو في نظرِ قانونِ البلدِ الذي صدرَ فيه القرارُ التحكيمي، إذا كان الاتفاقُ لا يتضمَّن إشارةً ما لهذا الموضوع”.
ويُستخلَصُ من هذا النصِّ، أنَّ اتفاقيةَ نيويورك تُحدِّدُ -في مجالِ التحكيمِ الدوليِّ- القانونَ واجبَ التطبيقِ على اتفاقِ التحكيمِ بأنَّه: قانونُ إرادةِ المتعاقدينَ، وعندَ عدمِ الاتفاقِ، يُطبَّقُ قانونُ الدولةِ التي يصدرُ فيها حكمُ التحكيمِ، وهو قانونُ الدولةِ التي يُجرى فيها التحكيمُ.
وقد أخذَ نظامُ التحكيمِ السعوديُّ بهذا المعيارِ المكانيِّ؛ حيث نصَّ في المادةِ الثانيةِ منه على أنْ يسري نظامُ التحكيمِ على كلِّ تحكيمٍ يُجرى في المملكةِ، كما يسري نظامُ التحكيمِ أيضًا على التحكيمِ الذي يُجرى في الخارجِ، حالَ اتفق طرفاه على إخضاعِه لهذا النظام.
- معيار قانون الإرادة:
وفقًا لاتفاقية نيويورك 1958 في المادة الخامسة (1/أ)، أنه يجب الرجوع في شأن انعقاد الاتفاق على التحكيم، وشروط صحته وترتيب آثاره، وحوالته، وتفسيره- إلى قواعد القانون الذي اتفق الأطراف على خضوع الاتفاق له؛ فالأطراف لهم حرية اختيار القانون الذي يحكم اتفاق التحكيم. ولهذا، فإنّ قانون الإرادة هو الذي يكون واجبَ التطبيق(7).
ولمَّا كانت المملكة قد انضمت إلى اتفاقية نيويورك 1958 في 19/4/1994م، الأمر الذي يقطع بأن قانون الإرادة هو الذي يجب الرجوع إليه أولًا، وليس هناك قيدٌ على هذه الحرية سوى أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا ما أكَّدَتُه المادة في نَصِّها؛ حيث قَضَتْ بأنه: “مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية وأحكام الاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفًا فيها…..”، ويعني هذا القيد: عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية. وقد أكَّد نظام التحكيم على قانونِ الإرادةِ، حين نصَّ في المادة الخامسة منه على أنه: “إذا اتفق طرفا التحكيم على إخضاع العلاقة بينهما لأحكام أي وثيقة (عقد نموذجي، أو اتفاقية دولية أو غيرهما)، وجب العمل بأحكام هذه الوثيقة بما تشمله من أحكامٍ خاصةٍ بالتحكيم، وذلك بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية”.
القواعد القانونية واجبة التطبيق على موضوع النزاع:
أوضحت المادة (38) من نظام التحكيم القواعدَ القانونيةَ واجبةَ التطبيق على موضوع النزاع، في حالة اتفاق الأطراف أو عند اختلافهم، وفي حال الاتفاق على تفويض هيئة التحكيم بالصلح، فنصَّت على أنه: “1- مع مراعاة عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام بالمملكة، على هيئة التحكيم في أثناء نَظَر النزاع مراعاة الآتي:
أ- تطبيق القواعد التي يتفق عليها طرفا التحكيم على موضوع النزاع، وإذا اتفقا على تطبيق نظام دولة معينة، اتُّبِعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين، ما لمْ يُتَّفقْ على غير ذلك.
ب- إذا لم يتفق طرفا التحكيم على القواعد النظامية واجبة التطبيق على موضوع النزاع، طبَّقت هيئة التحكيم القواعدَ الموضوعيةَ في النظام الذي ترى أنه الأكثر اتصالًا بموضوع النزاع.
ج- يجب أن تراعي هيئة التحكيم -عند الفصل في موضوع النزاع- شروطَ العقد محل النزاع، وأن تأخذ في الاعتبار الأعراف الجارية في نوع المعاملة، والعادات المتَّبَعة، وما جرى عليه التعامل بين الطرفين.
د- إذا اتفق طرفا التحكيم صراحةً على تفويض هيئة التحكيم بالصلح، جاز لها أن تحكم به وفق مقتضى قواعد العدالة والإنصاف”.
المصادر:
- د. محمود مصطفى يونس: المرجع في أصول التحكيم، دار النهضة العربية، طبعة 2009، ص 11.
- د. فتحي والي: التحكيم في المنازعات الوطنية والتجارية الدولية علمًا وعملًا، منشأة المعارف، طبعة 2014، ص12.
- نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/46) بتاريخ 12/7/1403هـ.
- نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) بتاريخ 24/5/1433هـ.
- عبد الله بن عبد الرحمن الفايز: نظام التحكيم السعودي القديم والجديد: دراسة مقارنة، ص3. تاريخ الدخول 3/3/2025 الساعة 1.56 ظهرًا.
- د. أسامة عبد العزيز عبد الوهاب محمد (2020) القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع أمام التحكيم التجاري الدولي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة عين شمس، ص 1.
- د. فتحي والي: التحكيم في المنازعات الوطنية والتجارية الدولية علمًا وعملاً، مرجع سالف الذكر، ص 122.