في خطوة استراتيجية تعكس رسوخ البُعْد المؤسسي للحوكمة المالية في المملكة، وتُترجمُ ثقة المجتمع الدولي في منظومتها الرقابية، أعلنت الجمعية العامة للمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي)، انتخاب المملكة العربية السعودية -ممثَّلةً بديوان المحاسبة- لرئاسة المنظمة اعتبارًا من عام 2031 ولمدة ثلاث سنوات، مما يؤكد مكانة المملكة باعتبارها مَرجِعًا في منظومة الشفافية وكفاءة الإنفاق على المستوى الدولي.
ولا تُعَدُّ رئاسة الإنتوساي مجرد امتيازٍ رمزي، بل تعتبر التزامًا بإعادة تعريف دور الجهاز الأعلى للرقابة، بوصفه شريكًا في التنمية لا مجرد مُبلِّغٍ بالمآخذ، ومن هُنا تتقاطع اللحظة السعودية مع أجندةٍ عالميةٍ، تتطلّب من الأجهزة العليا أن تتقدّم خطوةً نحو “الرقابة الاستشرافية”، وهي رقابةٌ تستبق المخاطر قبل وقوعها، وتُظهر خيارات السياسة المالية في ضوء أدلةٍ قابلة للتحقّق، وتربط بشكلٍ مُحكَم بين سلامة الإجراءات، ونتائج الخدمات العامة على المواطن.
إن انتقال دفَّة القيادة إلى الرياض، يضع على طاولة المجتمع الدولي خبرةً سعوديةً تراكمية، في بناء أنظمةٍ رقابية متوازنة، تُزاوج بين صرامة الالتزام النظامي ومرونة الابتكار التقني؛ حيث تقود المملكة ابتداءً من 2031 منظومة الرقابة العامة الدولية، في توقيتٍ تتعاظم فيه الحاجة إلى الثقة العامة وحُسن إدارة الموارد، فالنجاح هُنا يُقاس بقدرة الرئاسة على تحويل المعايير إلى ممارسة، والممارسة إلى نتائج، والنتائج إلى ثقةٍ متجددةٍ بين الدولة والمجتمع، تلك هي المعادلة التي تُعلي من شأن الشفافية بوصفها حقًّا عامًا، وتضع الحوكمة في مكانها الطبيعي، بوصفها آليةً ضامنةً لجدوى المال العام، لا شعاراتٍ تُرفع ثم تُنسى.
عن المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة
الإنتوساي بوصفها المظلة المهنية للأجهزة العليا للرقابة، تضم اليوم 195 عضوًا كاملًا، إلى جانب أعضاء منتسبين وهيئات شريكة، وتُعد جهةً مساندة لمنظومة الأمم المتحدة.
ويضيف هذا الاتساع إلى رئاسة المنظمة، ثِقلًا يتجاوز البروتوكول، إلى أثرٍ معياريٍّ ومعرفيٍّ مباشر على أساليب الفحص المالي وأدوات رقابة الأداء حول العالم.
الرسائل العملية للرئاسة من منظور قانوني ومؤسسي:
الرسالة الأولى: ترسيخ استقلالية الأجهزة العليا، وتحسين فاعلية الرقابة اللاحقة والسابقة على المال العام، بما يحدّ من مخاطر الهَدْر، ويعزّز موثوقية التقارير المالية الحكومية.
الرسالة الثانية: الارتقاء بالمعايير المهنية، عبر توسيع نطاق تبنّي الأُطر الإرشادية الدولية في التدقيق المالي والأداء، بما يرفع جودة الأدلة، ويُحسّن القدرة على تتبّع الأثر.
الرسالة الثالثة: تحويل الشفافية من قيمةٍ أخلاقية، إلى ممارسةٍ قابلة للقياس، عبر مؤشراتٍ ومعايير أداء تُظهر الجدوى، وتكشف الانحرافات في وقتٍ ملائم.
المسارات التنفيذية للرئاسة وفق رؤية المملكة:
- رقابةٌ تركّز على القيمة العامة: تعميم منهجيات “القيمة مقابل المال”، وربط نتائج التدقيق بقرارات تخصيص الموارد، بحيث تتحوّل مُخرجات الأجهزة العليا إلى مدخلٍ مباشر لسياسات كفاءة الإنفاق والحوكمة المالية.
- رقمنة دورة التدقيق: تسريع التحوّل إلى التدقيق القائم على البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية، وبناء منصات ترابط آنية مع الأنظمة المالية الحكومية، وتمكين الفرق الرقابية من أدوات كشف المخاطر آليًا، مع الحفاظ على الضمانات الإجرائية.
- شفافية استباقية: إطلاق بوابةٍ معيارية مفتوحة للبيانات الرقابية غير السِّرية، تُقدَّم فيها مؤشراتٌ مقروءة للمواطن، والباحث، والإعلام المتخصص، بما يرفع جودة الحوار العام، ويزيد كلفة الإخفاء، ويدعم النزاهة بالأرقام.
- تمكينٌ إقليمي ودولي: الاستثمار في برامج بناء القدرات، مع إيلاء خصوصية للأقاليم ذات الاحتياجات التنظيمية والتقنية، والاستفادة من خبرة المملكة القيادية في المنظمات الإقليمية النظيرة؛ لتعميق الأثر وتوحيد الأدوات.
الرؤية الاستراتيجية للمملكة خلال رئاستها لمنظمة الإنتوساي
تتمحور الرؤية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية خلال رئاستها لمنظمة “الإنتوساي” (INTOSAI) والتي تبدأ في عام 2031 ولمدة ثلاث سنوات حول إعادة تعريف دور الجهاز الأعلى للرقابة ليكون شريكاً في التنمية بدلاً من مجرد مُبلِّغ عن المخالفات.
وتتضمن هذه الرؤية عدة ركائز ومسارات استراتيجية مستمدة من المصادر:
1. التوجه نحو “الرقابة الاستشرافية”
تتبنى المملكة نهجاً يتجاوز الرقابة التقليدية إلى “الرقابة الاستشرافية” التي تستبق المخاطر قبل وقوعها وتطرح خيارات السياسة المالية بناءً على أدلة قابلة للتحقق مع الربط المحكم بين سلامة الإجراءات ونتائج الخدمات العامة المقدمة للمواطنين.
2. الرسائل العملية (القانونية والمؤسسية)
تستند الرؤية إلى ثلاث رسائل أساسية:
- ترسيخ استقلالية الأجهزة العليا للرقابة: وتعزيز فاعلية الرقابة (اللاحقة والسابقة) للحد من الهدر المالي.
- الارتقاء بالمعايير المهنية: عبر التوسع في تبني الأطر الدولية للتدقيق مما يرفع جودة الأدلة ويحسن القدرة على تتبع الأثر.
- تحويل الشفافية إلى ممارسة ملموسة: من خلال مؤشرات أداء ومعايير قابلة للقياس تكشف الانحرافات في الوقت الملائم.
3. المسارات التنفيذية للرئاسة
حددت رؤية المملكة أربعة مسارات تنفيذية لتحقيق أهدافها الدولية:
- الرقابة المرتكزة على القيمة العامة: تعميم منهجيات “القيمة مقابل المال” وربط نتائج التدقيق بقرارات تخصيص الموارد وكفاءة الإنفاق.
- رقمنة دورة التدقيق: تسريع التحول نحو التدقيق القائم على البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية وبناء منصات ترابط آنية مع الأنظمة المالية الحكومية لكشف المخاطر آلياً.
- الشفافية الاستباقية: إطلاق بوابة معيارية مفتوحة للبيانات الرقابية غير السرية توفر مؤشرات مقروءة للمجتمع مما يعزز النزاهة بالأرقام.
- التمكين الدولي والإقليمي: الاستثمار في برامج بناء القدرات خاصة للأقاليم ذات الاحتياجات التقنية والتنظيمية وتوحيد الأدوات الرقابية عالمياً.
إن هذا التوجه يهدف في جوهره إلى تحويل المعايير الرقابية إلى ممارسات ونتائج تعزز الثقة المتجددة بين الدولة والمجتمع وتضع الحوكمة كآلية ضامنة لجدوى المال العام.
كيف سيساهم التحول الرقمي والبيانات الضخمة في تطوير العمل الرقابي الدولي؟
يُعد التحول الرقمي والاعتماد على البيانات الضخمة أحد الركائز الأساسية في رؤية المملكة لتطوير العمل الرقابي الدولي خلال رئاستها لمنظمة “الإنتوساي” حيث سيساهم هذا التحول في نقلة نوعية عبر عدة مسارات حددتها المصادر:
- الانتقال إلى الرقابة الاستشرافية والتنبؤية: يساهم التحول الرقمي في تسريع الانتقال إلى التدقيق القائم على البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية. هذا النهج يدعم ما يسمى بـ “الرقابة الاستشرافية” التي تهدف إلى استباق المخاطر قبل وقوعها بدلاً من الاكتفاء برصدها لاحقاً.
- الربط التقني الآني: تهدف الرؤية إلى بناء منصات ترابط آنية مع الأنظمة المالية الحكومية مما يتيح تدفقاً مستمراً للبيانات ويقلل من الفجوات الزمنية في عملية التدقيق.
- أتمتة كشف المخاطر: سيتم تمكين الفرق الرقابية من استخدام أدوات كشف المخاطر آلياً مما يرفع من كفاءة الفحص المالي ويضمن دقة أعلى في تتبع الانحرافات المالية في وقتها الملائم.
- تعزيز الشفافية الرقمية: تتضمن التوجهات إطلاق بوابة معيارية مفتوحة للبيانات الرقابية غير السرية مما يحول الشفافية إلى مؤشرات أرقام مقروءة للمواطنين والباحثين والإعلام، وهو ما يرفع من “كلفة الإخفاء” ويدعم النزاهة المدعومة بالأرقام.
- الموازنة بين الابتكار والالتزام: تقدم المملكة تجربة في بناء أنظمة رقابية تزاوج بين مرونة الابتكار التقني وصرامة الالتزام النظامي مما يضمن أن التحول الرقمي يخدم جودة الأدلة الرقابية ويُحسّن القدرة على تتبع الأثر.
بشكل عام ترى المصادر أن رقمنة دورة التدقيق ستحول مخرجات الأجهزة العليا للرقابة إلى مدخل مباشر لسياسات كفاءة الإنفاق والحوكمة المالية على المستوى الدولي.
الملخص
تناولت المصادر إعلان انتخاب المملكة العربية السعودية، ممثلة بالديوان العام للمحاسبة، لتولي رئاسة منظمة الإنتوساي لمدة ثلاث سنوات تبدأ من عام 2031م. وتعكس هذه الخطوة الاستراتيجية الثقة الدولية في ريادة المملكة بمجالات الرقابة المالية والحوكمة، مؤكدة على دورها كمرجع عالمي في تعزيز الشفافية وكفاءة الإنفاق. وتهدف الرئاسة السعودية إلى تطوير الرقابة الاستشرافية وتحويل التدقيق إلى أداة رقمية تعتمد على البيانات الضخمة لضمان حماية المال العام. كما تبرز النصوص أهمية المنظمة بصفتها المظلة الدولية لـ 195 جهازاً رقابياً، حيث ستعمل المملكة على تعميم منهجيات القيمة مقابل المال وربط مخرجات الرقابة بالنتائج التنموية الملموسة. وتستعرض الوثائق أيضاً أهداف المملكة في تعزيز الاستقلالية المؤسسية للأجهزة الرقابية وبناء القدرات المهنية على مستوى العالم بما يخدم النزاهة الدولية.
المصادر:
- وكالة الأنباء السعودية:
(SPA): Saudi Arabia Assumes Chairmanship of INTOSAI https://www.spa.gov.sa/en/N2433144.
- جريدة الرياض: المملكة تفوز برئاسة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي) بدءًا من عام 2031م https://www.alriyadh.com/2158630.
- أرقام: السعودية تفوز برئاسة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي) بدءًا من 2031 لدورة تستمر 3 أعوام https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/1854568.
- Arab News: Saudi Arabia to chair global audit body https://www.arabnews.com/node/2621007/saudi-arabia.
- INTOSAI – Members: بيان العضوية (195 أعضاء كاملون + 5 منتسبين + 2 تابعين) https://www.intosai.org/about-us/members.html.
- INTOSAI – Special Publication (70th Anniversary): تأكيد أعداد الأعضاء المذكورة أعلاه https://www.intosai.org/fileadmin/downloads/news/2023/INTOSAIs_70th_anniversary_Special_publication.pdf.
- ACN Newswire (نقلاً عن الديوان العام للمحاسبة): Saudi Arabia Assumes Chairmanship of INTOSAI https://www.acnnewswire.com/press-release/english/103453/saudi-arabia-assumes-chairmanship-of-intosai.