الرئيسية - القانون التجاري وحوكمة الشركات - قانون الأونسيترال للإعسار عبر الحدود (1997)

قانون الأونسيترال للإعسار عبر الحدود (1997)

في ظل عولمة الاقتصاد وتشابك العلاقات التجارية عبر الحدود، أصبح من الشائع أن تمتلك الشركات أصولاً ومنقولات تجارية ودائنين في عدة دول، وعندما تتعثر تلك الشركات وتدخل في أزمات مالية، يبرز تَحدٍ قانوني مُعقَّد، وهو كيف يمكن إدارة عملية الإعسار (الإفلاس) بشكل منظَّم وعادل عندما تكون أصولها ودائنوها موزعين عبر ولايات قضائية مختلفة؟ وعليه، وُلِدت الحاجة المُلحَّة لإطار قانوني دولي مُوحَّد؛ لذا صدر قانون الأونسيترال النموذجي، بشأن الإعسار عبر الحدود لعام 1997، عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL)؛ بغرض مساعدة الدول على تدعيم قوانينها الداخلية المنظمة للإعسار (الإفلاس) بأحكام قانونية حديثة، تُوفِّر أدوات فعّالة للتعامل مع حالات الإعسار عبر الحدود، كما يدعم التعاون والتنسيق بين الولايات القضائية المختلفة (1).

المقصود بحالة الإعسار عبر الحدود:

عُرَّفت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال) حالة الإعسار (الإفلاس) عبر الحدود بأنها: “الحالة التي يكون فيها لدى المدين المعسر أصول مالية موجودة في أكثر من دولة واحدة، أو التي يكون فيها بعض دائني المدين غير منتمين إلى الدولة التي تتخذ فيها إجراءات الإعسار” (2)

الوصول المباشر إلى المحاكم الوطنية:

لقد منح القانون النموذجي الممثل الأجنبي -مثل المُصفِّي المعين في الدولة الأجنبية- حق التقدم مباشرة إلى محاكم الدولة التي تتبنى القانون (الدولة المضيفة)، الأمر الذي يسهل لجوء الممثل الأجنبي لطريق القضاء الوطني، دون الحاجة إلى إجراءات طويلة ومعقَّدة (3).

حماية مصالح الدائنين الأجانب:

يضمن هذا القانون النموذجي مَنْحَ الدائنين الأجانب المعاملة ذاتها الممنوحة للدائنين في الدولة المضيفة، كما يمنحهم الحق في المشاركة في إجراءات الإعسار المحلية (4).

الاعتراف بإجراءات الإعسار الأجنبية:

لم يكتفِ القانون النموذجي بتسهيل اللجوء إلى القضاء الوطني، بل أجاز للممثل الأجنبي أن يُقدِّم طلبًا إلى المحكمة المختصة؛ للاعتراف بالإجراء الأجنبي الذي عيّن فيه الممثل الأجنبي، مع إرفاق المستندات التي تثبت هذا الإجراء (5).

ويتم الاعتراف بنوعين رئيسيين من الإجراءات الأجنبية:

  1. إجراء أجنبي رئيسي: وهو الإجراء الذي يتم في الدولة التي توجد بها مصالح المدين الرئيسية.
  2. إجراء أجنبي غير رئيسي: وهو الإجراء الذي يتم في الدولة التي للمدين مصالح بها، أو مؤسسة بالمفهوم المنصوص عليه في المادة (2) من القانون، وهو أي مكان يقوم فيه المدين بنشاط اقتصادي غير عارض، ولكنها ليست الدولة التي تقع فيها مصالحه الرئيسية (6).

الانتصاف أو الإغاثة المؤقتة عند تقديم طلب الاعتراف:

يمكن للمحكمة الوطنية عند إيداع طلب الاعتراف بالإجراء الأجنبي أن تُقدِّم إغاثة مؤقّتة لحماية أصول المدين أو مصالح الدائنين؛ حتى تنظر المحكمة في طلب الاعتراف النهائي، وتشمل هذه الإجراءات: وقف التنفيذ على أصول المدين، وتعليق الحق في نقل أصول المدين، واتخاذ التدبير اللازمة لاستجواب شهود، أو جمع القرائن، أو تسليم المعلومات المتعلقة بأصول المدين (7)

الانتصاف أو الإغاثة بعد الاعتراف بالإجراء الأجنبي:

أجاز القانون النموذجي للمحاكم الوطنية، بمجرد الاعتراف بإجراءات الإعسار (الإفلاس) الأجنبية -سواء أكانت رئيسية أم غير رئيسية- وبناء على طلب الممثل الأجنبي، أن تقرر إجراءات أوسع نطاقًا من تلك الممنوحة عند تقديم طلب الاعتراف؛ حيث تشمل -إلى جانب الإجراءات المذكورة سلفًا- عدم البدء في الدعاوى والإجراءات المنفردة المتعلقة بأصول المدين وحقوقه ووقف الاستمرار فيها، وتعليق الحق في نقل أي من أصول المدين أو التصرف فيها (8).

التعاون بين الممثلين والمحاكم في الدول المختلفة:

يشجع القانون النموذجي على التعاون المباشر -“إلى أقصى حد”- بين الممثلين والمحاكم الوطنية، وبين الممثلين والمحاكم الأجنبية، وذلك عن طريق تبادل المعلومات، والتنسيق بشأن إدارة وبيع الأصول، وتعيين أشخاص أو هيئات للتصرف في الأصول، بناء على توجيهات المحكمة (9).

التنسيق بشأن الإجراءات المتعددة للإعسار:

     يوفر القانون آليات للتنسيق بين عدة إجراءات إعسار (إفلاس) جارية في أكثر من دولة؛ لمنع التعارض بينها، ولضمان إدارتها بشكل منظم، ومن هذه الآليات: اتساق إجراءات الانتصاف أو الإغاثة سالفة البيان، مع إجراءات الإعسار (الإفلاس) الأجنبية، إضافة إلى إمكانية تعديل أو إنهاء أحد إجراءات الإعسار (الإفلاس) الأجنبية، في حال الاعتراف بأكثر من إجراء أجنبي (10)

 

الفرق بين إجراءات الإعسار الأجنبي الرئيسي وغير الرئيسي

يتمثل الفرق الجوهري بين إجراء الإعسار الأجنبي الرئيسي وغير الرئيسي وفقاً لقانون الأونسيترال النموذجي، في مكان وجود مصالح المدين ونوع النشاط الاقتصادي الذي يمارسه في الدولة المعنية، وذلك على النحو التالي:

  • الإجراء الأجنبي الرئيسي: هو الإجراء الذي يُتخذ في الدولة التي تقع فيها مصالح المدين الرئيسية.
  • الإجراء الأجنبي غير الرئيسي: هو الإجراء الذي يُتخذ في دولة للمدين فيها مصالح أو “مؤسسة”. وتُعرَّف “المؤسسة” بأنها أي مكان يمارس فيه المدين نشاطاً اقتصادياً غير عارض (أي نشاطاً مستمراً وله كيان) ولكنها ليست الدولة التي تقع فيها مركز مصالحه الرئيسية.

نقاط مشتركة وملاحظات إضافية من المصادر

  • يسمح القانون للممثل الأجنبي في كلا النوعين بتقديم طلب للمحكمة المختصة للاعتراف بالإجراء الأجنبي.
  • بمجرد الاعتراف بالإجراء (سواء كان رئيسياً أو غير رئيسي)، يمكن للمحكمة الوطنية -بناءً على طلب الممثل الأجنبي- أن تقرر تدابير إغاثة وحماية لأصول المدين مثل وقف التنفيذ على الأصول أو تعليق الحق في التصرف فيها.
  • يهدف هذا التمييز إلى تسهيل التنسيق بين الإجراءات المتعددة للإعسار التي قد تجري في أكثر من دولة في وقت واحد، لضمان إدارة أصول المدين بشكل منظم ومنع التعارض بين القرارات القضائية المختلفة.

كيف يحمي قانون الأونسيترال حقوق الدائنين الأجانب في القضايا الدولية؟

ضمن قانون الأونسيترال النموذجي حماية حقوق الدائنين الأجانب في قضايا الإعسار الدولية من خلال عدة آليات قانونية تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة، وهي كالتالي:

مبدأ المساواة في المعاملة

يضمن القانون منح الدائنين الأجانب نفس المعاملة التي يتمتع بها الدائنون المحليون في الدولة التي تُجرى فيها الإجراءات.

الحق في المشاركة

يمنح القانون الدائنين الأجانب الحق الصريح في المشاركة في إجراءات الإعسار المحلية، مما يضمن سماع صوتهم وحماية مصالحهم المالية.

تدابير الحماية والإغاثة القضائية

يمكن للمحاكم الوطنية اتخاذ إجراءات لحماية مصالح الدائنين، سواء قبل الاعتراف الرسمي بالإجراء الأجنبي أو بعده، وتشمل:

  • وقف التنفيذ على أصول المدين لمنع تبديدها.
  • تعليق الحق في نقل الأصول أو التصرف فيها لضمان بقائها متاحة للوفاء بحقوق الدائنين.
  • اتخاذ تدابير لجمع القرائن والمعلومات المتعلقة بأصول المدين.

التنسيق والتعاون الدولي

يحمي القانون الدائنين من خلال فرض تنسيق وثيق بين المحاكم والممثلين في الدول المختلفة، مما يمنع تعارض القرارات القضائية ويضمن إدارة أصول المدين وبيعها بشكل منظم وعادل.

منع الإجراءات المنفردة

بمجرد الاعتراف بإجراء الإعسار الأجنبي، يمكن للمحكمة منع البدء في أي دعاوى أو إجراءات منفردة ضد أصول المدين، مما يحمي كتلة الأصول من التفتت ويضمن توزيعاً عادلاً على كافة الدائنين.

يهدف هذا الإطار القانوني الشامل إلى إدارة عملية الإعسار بشكل منظم وعادل حتى عندما يكون الدائنون والأصول موزعين عبر ولايات قضائية مختلفة.

الملخص

قدم الموضوع استعراضاً شاملاً لقانون الأونسيترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود لعام 1997 والذي صُمم لمواجهة التحديات القانونية الناتجة عن تعثر الشركات ذات الأنشطة الدولية. يهدف هذا الإطار إلى تعزيز التعاون القضائي بين الدول وتوحيد المعايير القانونية لضمان إدارة عادلة لأصول المدينين وحماية حقوق الدائنين الأجانب والمحليين على حد سواء. ويوضح المصدر آليات الاعتراف بالإجراءات الأجنبية حيث يمنح الممثلين القانونيين حق الوصول المباشر للمحاكم الوطنية لطلب الحماية أو التدابير المؤقتة. كما يُركز القانون على تنسيق الإجراءات المتعددة وتسهيل تبادل المعلومات لمنع تضارب الأحكام القضائية وتحقيق أقصى استغلال للأصول المالية. باختصار، يمثل هذا القانون أداة قانونية حديثة تدعم استقرار الاقتصاد العالمي عبر تنظيم حالات الإفلاس التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة.


 

المصادر:

  1.  تقرير لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال) عن قانون الأونسيترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود لعام 1997، المنشور بموقع اللجنة < قانون الأونسيترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود (1997) | لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي>. 
  2.  ذات المرجع. 
  3.  المادة (9) من قانون الأونسيترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود لعام 1997، الصادر بتاريخ 30/5/1997م
  4.  المادة (13) من القانون النموذجي.
  5. المادة (15) من القانون النموذجي.
  6.  المادة (17) من القانون النموذجي.
  7.  المادة (19) من القانون النموذجي.
  8.  المادة (21) من القانون النموذجي.
  9.  المواد (27،26،25) من القانون النموذجي.
  10.  المواد (30،29،28) من القانون النموذجي.

Stay Connected

ابق على اتصال