الرئيسية - العقود والتجارة الدولية والنقل - أنواع التصادم البحري في النظام السعودي

أنواع التصادم البحري في النظام السعودي

يُعَدُّ النشاط البحري ركيزة أساسية تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ إذ يلعب دورًا حيويًا في التجارة العالمية والوطنية. وتعتبر السفن الأداة الرئيسة للملاحة البحرية، إلا أنها تظل عُرضة للعديد من المخاطر في أثناء الرحلة البحرية، فبالرغم من أنها أصبحت تستخدم البخار والطاقة الذرية والتقنيات الحديثة؛ لا يزال الخطر حاضرًا، والحوادث البحرية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه النقل البحري (1)، ولعل ذلك يرجع إلى السرعة المفرطة للسفن الحديثة، وهياكلها التي أصبحت تصنع من الصلب والفولاذ وضخامة أحجامها، مما جعل حوادث التصادم أمرًا مروعًا (2).

وهذا ما حث الجهود الدولية من أجل السعي نحو توقّي حوادث التصادم ومنع وقوعها، والعمل على تحسين أمان النقل البحري، فأُبرمت اتفاقية اللوائح الدولية لمنع التصادم في البحار عام 1972 (3)، وانضمت إليها المملكة، وأكدت نفاذها بموجب المادة 259 من النظام البحري التجاري (4).

المقصود بالتصادم البحري:

انقسم الفقه القانوني حول تحديد مفهوم التصادم البحري من الناحية القانونية، فاتجه فريق إلى تبنِّي المعنى المُضيِّق للتصادم، بينما رأى فريق آخَر التمسك بالمعنى المُوسِّع للتصادم، وذلك على النحو التالي: 

1- المعنى المُضيِّق للتصادم: 

يرى أنصار هذا الاتجاه أن التصادم هو: “ارتطامٌ مادي يقع في البحر بين سفينتين أو بين سفينة ومركب”، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى المعنى اللغوي الذي يفترض حصول احتكاك أو التحام مباشر بين منشأتين عائمتين، شريطة أن ينطبق على إحداهما وصفُ السفينة بالمعنى القانوني، كما يشترط أصحاب هذا الاتجاه وقوعَ التصادم في البحر؛ لأن المجموعة البحرية تقتصر على حكم الوقائع التي تحدث في البحر دون تلك التي تقع في الأنهار (5)

2- المعنى المُوسع للتصادم:

يرى غالبية الفقهاء القانونيين أن التصادم البحري هو ارتطام مادي يحصل بين سفينتين بحريتين أو أكثر، أو بين سفينة بحرية ومركب للملاحة الداخلية، سواء وقع التصادم في البحر أو في مياه بحرية كانت أو داخلية، فركز أصحاب هذا الرأي على صفة المنشآت أو السفن التي كانت طرفًا في التصادم البحري، ولم يهتموا بمكان حدوث التصادم، وبذلك يستوي لديهم أن يحدث التصادم في المياه البحرية أو المياه الدولية (6).

وعرَّفت معاهدة بروكسل1910 (7) التصادم في مادتها الأولى بأنه: “التصادم الذي يحصل بين سفينتين بحريتين أو بين سفينة بحرية ومركب ملاحة داخلية، بغَضِّ النظر عن المياه التي يقع فيها التصادم”، ومن ثَمَّ تكون قد تبنَّت المعنى الموسّع للتصادم البحري. أما النظام البحري التجاري السعودي، فقد عرَّف في مادته الأولى التصادم بأنه: “التصادم الذي يحدث بين سفينتين أو أكثر، أو بين سفينة وأي منشأة بحرية”، مما يدل على تبنِّي المنظِّم المعنى المُضيِّق للتصادم البحري.

شروط التصادم البحري:

1-تحديد أطراف التصادم: 

يتعيَّن أن يحدث التصادم بين سفينتين بحريتين أو أكثر، ويُقصد بالسفينة في هذا الصدد المعنى القانوني الصحيح لها، أي وفقًا للتعريف الذي وضعه المنظِّم في النظام البحري التجاري في مادته الأولى، والتي نصَّت على أن السفينة هي: “كل منشأة عائمة مُعدَّة للعمل في الملاحة البحرية عادة ولو لم تهدف إلى الربح، وتُعدُّ ملحقات السفينة اللازمة لاستغلالها جزءًا منها”.

وبالتالي فإن التصادم الذي يحدث مع حطام سفينة أخرى، أو كرّاكة، أو أحد الجسور؛ لا يُعَدُّ تصادمًا (8)

وتسري أحكام هذا التصادم على ذلك الذي يحدث بين السفينة وأي منشأة بحرية، مع أن النظام لم يعرِّف المنشأة البحرية، إلا إنه بالرجوع للتعاريف بالمادة الأولى من النظام البحري التجاري وجدنا تعريفًا للمنصة البحرية بأنها: “منشأة بحرية تُستخدم لاستخراج الزيت أو الغاز أو غيرها من الثروات، وتُعَدُّ في حكم السفينة”، ومن ثَم فإن التصادم الذي يحدث من سفينة لمنصة بحرية يعتبر تصادمًا. 

2- حدوث ارتطام مادي: 

حتى نكون أمام تصادمٍ بحري بالمعنى المقصود، يُشترط وقوع اصطدام أو ارتطام مادي، أيْ وجود تضارب أو التحام فِعليٍّ بين السفن، أو بين سفينة ومراكب الملاحة البحرية أو أشياء، مما يؤدي إلى وقوع أضرار نتيجة هذا الارتطام، ولكن لا يلزم أن يحدث التصادم بين الهياكل الأساسية أو المبنى الأساسي للسفينة والعائمة الأخرى، ولا يلزم أن يكون التصادم مباشرًا؛ فإذا صدمت سفينة مركبًا، فأدَّى ذلك إلى اصطدام المركب بسفينة أو عائمة أخرى، فإن المضرور في هذه الأخيرة يملك الرجوع على السفينة الأولى التي نشأ عنها التصادم، وهو ما يسمى بالاصطدام بالواسطة.  

وإذا كان ما تقدَّم هو الارتطام الفعلي، فإنه يختلف عن الارتطام الحُكمي، وهو الذي يحدث إذا لحق السفينة أضرار نتيجة مرور سفينة أخرى، على نحو حرَّك الأمواج تحريكًا شديدًا (9)

3- عدم وجود تنظيم اتفاقي أو قانوني بين أطراف التصادم: 

تُعَدُّ المسئولية الناجمة عن التصادم مسئوليةً تقصيرية، ومن ثَمَّ فلا مجال لتطبيق أحكامها إذا كانت هناك علاقة عقدية تربط بين أطراف التصادم، كما هو الحال في عقد القطر، إلا أن أحكام المسئولية الناشئة عن التصادم تنطبق إذا وقع التصادم بخطأ من المرشد، ولو كان الإرشاد إجباريًّا، وذلك مع عدم الإخلال بالقواعد العامة في المسؤولية (10).

أنواع التصادم البحري والمسؤولية المترتبة على كل نوع:

ترتكز المسؤولية في أنواع التصادم على الخطأ واجب الإثبات، ويقع عبء الإثبات على مُدَّعي وجود الخطأ، ويختلف تحديد المسئولية تبعًا لتحديد الخطأ الذي أدى إلى وقوع الحادث.

وقد فرَّق المنظم بين أنواع التصادم، سواء فيما يتعلق بثبوت خطأ إحدى السفن، أو حال القوة القاهرة، أو الخطأ المشترك، وسوف نتولى دراسة هذه الأنواع تباعًا فيما يلي:

أـ ثبوت خطأ إحدى السفن: 

تنص المادة 254/1 من النظام البحري التجاري على أنه: “إذا حدث تصادم بسبب خطأ إحدى السفن التزمت السفينة المُحدثة للضرر بالتعويض الذي يترتب على هذا التصادم…..”.

ولفظ السفينة الوارد في هذه المادة، ينصرف إلى مالك السفينة أو مجهّزها، فيُسأل مالك السفينة أو مجهّزها مدنيًّا عن أفعال الربان، والبحّارة، والمرشد، وأي شخص آخَر في خدمة السفينة، إذا وقعت منهم في أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها (11)، كما يُسأل مالك السفينة ومجهّزها عن الضرر الناشئ عن أداء فعلٍ أو امتناعٍ عن فعلٍ، صدر من مالك السفينة أو نائبه بقصد إحداث الضرر، أو عن إهمال مصحوب بإدراك أن ضررًا يمكن أن يحدث(12)، كإهمال الصيانة، أو تزويدها بطاقم من غير الأكفاء، أو عدم تزويدها بأدواتٍ وأجهزة الاتصال والأنوار والعلامات اللازمة (13)، وقد يحدث الخطأ من قِبَل أحد الرُبّانَيْنِ أو أحد أفراد الطاقم عن طريق الخطأ، دون وجود قوة قاهرة. كما قد يحدث خطأ في الإدارة والتخطيط وتنظيم الرحلة البحرية، أو خطأ في تحديد المواقع، والاتجاهات، وسرعة السفن، أو خطأ في الاتصالات والتواصل بين السفن أو بين السفن ومراكز الرصد والمراقبة. قد يؤدي الخطأ في أي من هذه الجوانب إلى حدوث التصادم بين السفن، مما يتسبب في أضرار مادية، وأحيانًا إصابات وخسائر بشرية (14)، وفي جميع الأحوال يتعين إثبات الخطأ. 

 ب- التصادم بسبب قوة قاهرة، أو كان هناك شك في أسبابه: 

حال ثبوت أن التصادم نتج عن قوة قاهرة، أي لأسباب خارجية لا يمكن توقعها أو دفعها، كإعصار مفاجئ أو دوّامات غير عادية، أو كان التصادم وقع نتيجة أسباب لم يتم اكتشافها، أو حام الشك حولها، تحملت كل سفينة ما أصابها من ضرر، ولو كانت السفن التي وقع بينها التصادم أو إحداها، راسية وقت وقوع التصادم (15).

ج- التصادم بسبب خطأ مشترك:

يعتبر التصادم بخطأ مشترك، إذا كان المتسبب فيه سفينتان أو أكثر، كما لو ثبت أن الربان كان يسير بسرعة فائقة، رغم وجود الضباب أو وجود ظروف تُبرر تخفيض السرعة، وفقًا للقواعد الدولية للسير في البحار، وثبت أن ربان السفينة الأخرى لم يستخدم الأنوار أو العلامات التي تحذِّر السفن الأخرى (16)، فهنا يتم تحديد مدى المسئولية وفقًا لنسبة الخطأ الذي وقع من كل سفينة، فإذا استحال تحديد نسبة الخطأ الذي وقع من كل سفينة، وُزِّعت المسؤولية بينها بالتساوي(17)، وهذا كله في العلاقة بين السفينتين، أما بالنسبة للغير الذي لحقه ضرر من هذا التصادم، كأنْ يكون التصادم قد ألحق أضرارًا بسفينة أخرى أو بحمولتها، أو بالأمتعة، أو الأشياء الأخرى الخاصة بالبحارة، أو بأي شخص آخر موجود على السفينة، فيكون للغير الرجوع على مجهِّز كل سفينة في حدود مسئوليته، التي تم تقديرها على أساس مدى مساهمة خطئه في حدوث التصادم، ولا يوجد هنا تضامن (18)، ولا يتحقق التضامن إلا إذا ترتّب على الخطأ وفاة شخص أو إصابته بدنيًّا بجروح، فيلتزم المجهّز الذي يتم الرجوع عليه بتغطية كل الضرر، ويرجع على مجهزي السفن الأخرى؛ لاسترداد ما دفعه بالزيادة عما يخصه من المسئولية (19).

الالتزام بالمساعدة:

يلتزم ربان السفينة حال حدوث تصادم بأن يُبادِر إلى تقديم المساعدة للسفن الأخرى وبحّارتها، وغيرهم من الأشخاص الموجودين عليها، وذلك بالقَدْر الذي لا يُعرِّض سفينته، أو بحارتها، أو الأشخاص الموجودين عليها للخطر، ويُسأل الربان عن الإهمال في تقديم المساعدة، أما المجهز فلا يسأل عن ذلك، إلا إذا ثبت أن عدم قيام الربان بتقديم المساعدة جاء تنفيذًا لتعليمات صريحة منه (20).

 


 

المصادر: 

1-د. فهد الحقباني – التصادم البحري في النظام البحري التجاري السعودي – ص4. 

بحث منشور على الموقع الإلكتروني التصادم البحري في النظام السعودي.pdf تاريخ الدخول الساعة 6 مساء يوم 18 /8 / 2025. 

2- د. محمود مختار أحمد بريري – قانون التجارة البحرية – دار النهضة العربية – طبعة 1999 – ص 497. 

3- تم اعتماد الاتفاقية في 20 أكتوبر 1972 وتم العمل بها بتاريخ 15 يوليو 1977. 

4- نظام البحري التجاري الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/33) وتاريخ 1440/04/05هـ

5-د. علي جمال الدين عوض، القانون البحري، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 474، 476.

6-د. محمود سمير الشرقاوي، القانون البحري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008 ـ ص590، د. مصطفى كمال طه، القانون البحري، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2006 – ص 403. 

7- اتفاقية بروكسل 1910 الصادرة في 23 /9 /1910 لم تنضم المملكة العربية السعودية إليها. 

8- د. علي جمال الدين عوض، القانون البحري- المرجع سالف الذكر – ص 445. 

9- د. محمود مختار أحمد بريري – قانون التجارة البحرية- المرجع سالف الذكر ص 503. 

10-المادة 255 من النظام البحري التجاري الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/33) وتاريخ 1440/04/05هـ.

11- المادة 92 من ذات النظام. 

12- المادة 95 من ذات النظام. 

13-د. مصطفى طه – القانون البحري الجديد – 1995 – دار الجامعة الجديدة للنشر ص7. 

14- د. فهد الحقباني– التصادم البحري في النظام البحري التجاري السعودي- المرجع سالف الذكر – ص 27. 

15- المادة 254 /2 من النظام البحري التجاري الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/33) وتاريخ 1440/04/05هـ.

16- د. محمود مختار أحمد بريري – قانون التجارة البحرية- المرجع سالف الذكر ص 509. 

17- المادة 254/3 من النظام البحري التجاري الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/33) وتاريخ 1440/04/05هـ.

18- المادة 254/4 من ذات النظام. 

19- المادة 254 /5 من ذات النظام. 

20- المادة 256 من ذات النظام. 

Stay Connected

ابق على اتصال