في ظل الطفرة الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها المملكة وفق رؤية 2030م، فقد حرصت القيادة الرشيدة على أن تكون الأنظمة الداخلية مواكِبةً لحجم التطلعات؛ حيث انضمت المملكة إلى العديد من الاتفاقيات الدولية في مجال التجارة، التي وضعتها لجنة قانون التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة، ومنها اتفاقية عقود بيع البضائع دوليًّا، التي حُرِّرَتْ في مدينة فيينا بتاريخ 11/4/1980م من أصلٍ واحدٍ، وتتساوى نصوصُه في اللغات المختلفة: الإسبانية، والإنجليزية، والروسية، والصينية، والعربية، والفرنسية في الحجية (1).
وقد كان ذلك الانضمام -آنفَ الذكر- بموجب المرسوم الملكي رقم (م/196) وتاريخ 4/12/1444هـ، مع تحفُّظ المملكة على الجزء الثالث وإقراراها عدم الالتزام به –المتعلِّق ببيع البضائع بالمواد من (25) إلى (88)– وفقًا لأحكام الفقرة الأولى من المادة (92) من الاتفاقية.
ومن الملاحظ أن تحفُّظ المملكة الحقيقي قد انصبَّ على المادة (78)، التي تتعلّق بتقاضي فوائد على السعر، أو تأخُّر أحد الطرفين في دفع أيّ مبلغٍ آخَر، وكذلك المادة (84/1) من ذات الاتفاقية، التي تتعلّق بإلزام البائع بِرَدِّ مبلغ السعر المحدَّد، مع فائدةٍ محسوبةٍ من يوم الدَّفع (2).
عدد الدول المُصدِّقة أو المنضمَّة إلى الاتفاقية:
تُعَدُّ اتفاقية فيينا لعام 1980م أكثر رحابة وفعّالية، بخلاف اتفاقيات لاهاي لعام 1964م، وذلك بشأن تنظيم قواعد وأحكام بيع البضائع دوليًّا، بين العديد من الأشخاص المنتمين إلى الدول التي صدّقت على هذه الاتفاقية، وانعكس ذلك على القضاء الوطني الذي يطبّق تلك القواعد، وكذلك هيئات التحكيم التجاري الدولي التي تنظر هذا النوع من المنازعات (3)، وهذا ما أكدته حالة هذه الاتفاقية الآن؛ إذ صدّقت عليها وانضمّت إليها 97 دولة من مختلف دول العالم النامي، و(4) من الدول المتقدمة، من إجمالي 193 دولة أعضاء منظمة الأمم المتحدة.
حقوق المشترين في عقود البيع الدولي للبضائع:
سنتناول فيما يلي حقوق المُشتري الناتجة عن تنفيذ البائع لالتزاماته، وحقوق المشتري الناشئة عن عدم تنفيذ البائع لالتزاماته، وذلك على النحو التالي:
أولًا: حقوق المشتري الناتجة عن تنفيذ البائع لالتزاماته:
1- حق المشتري في تسليم البضائع والمستندات ونقل ملكيتها:
أشارت المادة (30) من اتفاقية فيينا لبيع البضائع دوليًّا إلى هذا الأمر، وذلك من خلال ذِكرها أنه: “يجب على البائع أن يسلم البضائع والمستندات المتعلقة بها، وأن ينقل مِلكية البضائع على النحو الذي يقتضيه العقد وتقتضيه هذه الاتفاقية”. ومفاد ذلك أنه: يكون للمشتري الحق في تسلُّم البضائع، بوضعها تحت تصرّف الأخير وفقًا لبنود العقد (5). لذا يجب أن تسلَّم البضائع في الزمان والمكان المحددين في العقد، وكذلك على البائع أن يفي بالتزامه بتسليم المستندات المتعلقة بالبضائع في الزمان والمكان المعينين في العقد، وعلى النحو الذي يقتضيه. ولم تُشِرْ هذه الاتفاقية إلى أحكامٍ مفصّلة لنقل ملكية البضائع؛ رغم الإشارة إليها في المادة (30) السالف ذِكرها، مواكبة لمَّا نصت عليه بذِكرها أنه: “فيما عدا الأحوال التي يوجد في شأنها نص صريح مخالف في هذه الاتفاقية، لا تتعلق هذه الاتفاقية بوجه خاص بما يلي: “… ب- الآثار التي قد يُحدِثها العقد في شأن مِلكية البضائع المبيعة” (7).
2- حق المشتري في تسلم البضائع والمستندات المطابقة لها:
أكدت الاتفاقية على هذا الحق حيث ذَكَرت أنه: “يجب على البائع أن يُسلِّم بضائع تكون قيمتها ونوعيتها وأوصافها وكذلك تغليفها أو تعبئتها مطابقة لأحكام العقد” (8). كما أضافت أنه: “إذا كان البائع مُلزَمًا بتسليم المستندات المتعلقة بالبضائع، فعليه أن يفي بهذا الالتزام في الزمان والمكان المعينين في العقد وعلى النحو الذي يقتضيه” (9). وعلى ذلك، إذا احتفظ البائع بالمستندات الممثلة للبضائع، حتى بعد تسليم البضائع إلى الناقل، فلا أثر لذلك على أحكام انتقال تبعة الهلاك، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لبيع البضائع دوليًّا؛ حيث إنّ تبعة تعرُّض البضائع للهلاك مُستقِلّ عن نقل سند ملكيتها (10),
وبالتالي، تعرّف المطابقة المادية للبضائع والمستندات بأنها: “التزام بتحقيق نتيجة، مفاده تقديم البضائع والمستندات المتعلقة بها وفقًا لما يستلزمه العقد، ويفرضه القانون واجب التطبيق، سواء كان قانونًا وطنيًّا أو اتفاقية دولية” (11).
3- حق المشتري في تسلُّم البضائع خالية من أية ادعاءات للغير:
ينشأ هذا الحق من التزام البائع بأن يسلِّم بضائع خالصة من أي حق ادعاء للغير، إلا إذا وافق المشتري على أخذ هذه البضائع، مع وجود مثل هذا الحق أو الادعاء (12). كما يجب على البائع أن يُسلِّم بضائع خالصة من أي حق ادعاء للغير، مبني على أساس الملكية الصناعية أو الملكية الفكرية، مثال لذلك، العلامات التجارية المزوَّرة أو المقلَّدة على البضائع محل عقد البيع الدولي، بغض النظر عن عِلْم البائع أو جهله بذلك وقت انعقاد العقد (13).
ثانيًا: حقوق المشتري الناشئة عن عدم تنفيذ البائع لالتزاماته:
حق المشتري في الدفع بعدم تنفيذ العقد:
يجوز لكلا طرفَي عقد بيع البضائع دوليًّا -خاصة المشتري- أن يوقف تنفيذ التزاماته إذا تبيَّن بعد انعقاد العقد أن الطرف الآخَر لن يُنفِّذ جانبًا مهمًّا من التزاماته بسبب:
– وقوع عجز خطير في قدرته على تنفيذ هذا الجانب من التزاماته أو بسبب إعساره.
– الطريقة التي يعدها لتنفيذ العقد، أو التي يتبعها فعليًّا في تنفيذه (14).
حق المشتري في فسخ عقد بيع البضائع دوليًّا:
مع مراعاة مبدأ الاقتصاد في فسخ هذا العقد، فإنه يحق للمشتري فسخ هذا العقد، إذا كان عدم تنفيذ البائع لالتزامٍ من التزاماته الناتجة عن العقد، أو اتفاقية فيينا 1980م، يُشكِّل مخالفة جوهرية للعقد (15). وتكون مخالفة العقد من جانب أحد الطرفين مخالفةً جوهرية، إذا تسبَّبت في إلحاق ضرر بالطرف الآخَر، من شأنه أن يحرمه بشكل أساسي مما كان يَحِقُّ له أن يتوقّع الحصول عليه بموجب العقد، ما لم يكن الطرف المخالِف يتوقّع مثل هذه النتيجة، وما لم يكن أي شخص طبيعي عاقل يتوقّع مثل هذه النتيجة في الظروف نفسها (المادة 25). كما يمكن للمشتري فسخ العقد في حالة عدم التسليم، إذا لم يلتزم البائع بتسليم البضائع في الفترة الإضافية التي حددها المشتري وفقًا للفقرة (1) من المادة (47)، أو إذا أعلن أنه لن يسلمها خلال تلك الفترة (16).
حق المشتري في استبدال البضائع أو إصلاحها أو تخفيض الثمن:
إذا كان المشتري له الحق في أن يطلب من البائع تنفيذ التزاماته، ما دام لم يستعمل حقًّا يتعارض مع هذا الطلب، فإنه يحق للمشتري في حالة عدم مطابقة البضاعة للعقد، أن يطلب من البائع تسليمه بضائع بديلة (حق الاستبدال)، وذلك بشرط أن يكون عيب المطابقة يُشكِّل مخالفة جوهرية للعقد، وأن يكون طلب المشتري تسليم البضائع البديلة، في الوقت الذي يُخطِر فيه البائع بعدم المطابقة وفقًا لأحكام المادة (39) من الاتفاقية، أو في موعد معقول من وقت هذا الإخطار. (17)
كما يحق للمشتري في حالة عدم مطابقة البضائع لما ورد بالعقد، أن يطلب من البائع إصلاح العيب في المطابقة، إلا إذا كان هذا الإصلاح يشكل عِبئًا غير معقول على البائع، مع مراعاة جميع الظروف والأحوال، ويجب أن يكون طلب الإصلاح، إمَّا في وقت الإخطار بوجود العيب في مطابقة البضائع وفقًا للمادة (39) من الاتفاقية، أو في موعد معقول من وقت هذا الإخطار (18). كما يَحِقُّ للمشتري تخفيض ثمن البضائع في حالة عدم مطابقة البضائع للعقد، سواء تمَّ دفع الثمن أم لا، ويكون هذا التخفيض بمقدار الفرق بين قيمة البضائع التي تم تسليمها فعلًا وقت التسليم، وقيمة البضائع المطابقة في ذلك الوقت.
مع مراعاة أنه لا يجوز للمشتري أن يخفض ثمن هذه البضائع في الحالات التالية:
- إذا قام البائع بإصلاح الخلل في تنفيذ التزاماته وفقًا لأحكام المادة (37)، والمادة (48) من الاتفاقية.
- إذا رفض المشتري أن يقوم البائع بالتنفيذ وفقًا للمادتين المذكورتين (19).
المصادر:
- محسن شفيق: اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البيع الدولي البضائع، “دراسة في قانون التجارة الدولي”، طبعة 1988، دار النهضة العربية، القاهرة، ص21 وما بعدها.
- البند “ثالثًا” من قرار مجلس الوزراء رقم (839) بتاريخ 2/12/1444هـ.
- انظر، أ.د. جمال محمود عبد العزيز: البيع الدولي للبضائع؛ “دراسة خاصة في الالتزام بالمطابقة في عقد البيع الدولي للبضائع”، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة للبيع الدولي للبضائع، ففينا 1980م” طبعة 2018م، دار النهضة العربية، القاهرة، ص ج وما بعدها.
- موقع un.org، صفحة حالة اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود بيع البضائع دوليًّا، (فيينا 1980)، بتاريخ الدخول 22/4/2025.
- Vincent Heuze، “La Vente Internationale de Marchandises – Droit Uniforme”، ترجمة منصور القاضي، طبعة 2005م، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، بند 240، ص247.
- م (33، 34) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م 4 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (35/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (34) من اتفاقية فيينا 1980م.
- د. شرف رمضان عبد العال: انتقال تبعة الهلاك وفقا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع (فيينا 1980م) رسالة دكتوراة، لعام 2009م، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، ص 170.
- أ. د. جمال محمود عبد العزيز، المرجع السابق، ص3.
- م (41) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (42/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- المادة (71/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (49/1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (49/1ب) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (46/1،2) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (46/3) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.
- م (50) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع.