الرئيسية - الأسواق المالية والاستثمار - الشراكة بين القطاعين العام والخاص

الشراكة بين القطاعين العام والخاص

ظهرت الشراكةُ بين القطاعين العام والخاص نتيجةً حتميةً لاتجاه أغلب دول العالم إلى تطبيق النظام الرأسمالي، والتخلي عن النظام الاشتراكي، وكانت كل دولة تسعى جاهدة إلى تطوير بنيتها التحتية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية التي تقدمها مثل: التعليم، والصحة، والنقل، والمواصلات، والاتصالات، والصرف الصحي؛ لذا كان لا بد من الاستعانة بعقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، والتي يطلق عليها P.P.P وذلك اختصارًا للمصطلح الإنجليزي Partnership Private Public وهو ما يفيد لغويًا باشتراك كلٍ من القطاعين العام والخاص في إنجاز مشروعات تتعلق بالمصلحة العامة (1)

وتعود فكرةُ عقودِ المشاركة في الواقع إلى عقد الستينيات من القرن الماضي؛ حيث تطورت هذه الفكرةُ بفضل مجهودات الحكومة الفيدرالية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ استعانت بها لتكون أداة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في تنمية وتطوير البنية الأساسية للولايات المتحدة.

فيما يَعتبر البعضُ الآخَرُ أن المملكة المتحدة هي أول دولة لجأت إلى هذا الأسلوب إبّان حُكم المحافظين، وذلك عن طريق ما يُسمى بمبادرة التمويل الخاص، والتي تم بمقتضاها دعوة القطاع الخاص لتمويل إنشاء المشروعات العامة العملاقة، التي يحتاج تمويلها إلى وقت طويل، وأموال ضخمة تعجز ميزانية الدولة عن تحملها. ولقد دفع ذلك الدولة الاستعانة بالقطاع الخاص؛ لتمويل هذه المشروعات وإنجازها على وجه السرعة. وبعد ذلك لم تلبث هذه العقود أن انتشرت في الكثير من دول العالم، في أوروبا، وأمريكا اللاتينية، والدول العربية (2)

وقد حرصت المملكة على تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ باعتبارها وسيلة لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الخاصة إلى القطاعات الاقتصادية في المملكة؛ إذ كانت فيما سبق تعتمد على التمويل الحكومي، كما تضمن الحفاظ على تقديم مستويات عالية من الخدمة، دون تحمُّل الحكومة مصروفات ضخمة؛ إذ تُقدِّم نموذجًا استراتيجيًا يهدف إلى تنفيذ مشاريع وطنية بكفاءة عالية، وتعزيز الابتكار في مختلف القطاعات الاقتصادية. وتعمل المملكة على تمكين هذه الشراكات، من خلال توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتسهيل الإجراءات التنظيمية، وتحفيز نمو القطاع الخاص؛ ليكون مساهمًا رئيسًا في تحقيق رؤية المملكة 2030.

المقصود بالشراكة بين القطاعين العام والخاص:

عرَّفت المادةُ الأولى من نظام التخصيص (3) الشراكةَ بين القطاعين العام والخاص بأنها: “ترتيبٌ تعاقدي مرتبط بالبنية التحتيّة أو الخدمة العامة، ينتج عنه علاقة بين الحكومة والطرف الخاص، وتتوافر فيه العناصر الآتية:

  1. أن تكون مدته (خمس) سنوات فأكثر.
  2. أن يؤدي الطرف الخاص بموجبه أعمالًا تشمل اثنين أو أكثر مما يأتي: تصميم الأصول، أو تشييدها، أو إدارتها، أو تشغيلها، أو صيانتها، أو تمويلها، سواء أكانت الأصول مملوكة للحكومة، أم للطرف الخاص، أم لكليهما.
  3. وجود توزيع نوعي وكمي للمخاطر بين الحكومة والطرف الخاص.
  4. يكون المقابل المالي -الذي يستحقه الطرفُ الخاص أو يلتزم به بموجب هذا الترتيب التعاقدي- مبنيًّا بشكل أساسي على مستوى أدائه في تنفيذ الالتزامات المسندة إليه”. 

كما عرَّفت المادة ذاتها الطرف الخاص بأنه: “شخص يتمتع بالشخصية الاعتبارية الخاصة، ويكون طرفًا في عقد تخصيص مع الحكومة”.

ومما تقدَّم يتبيَّن لنا أن المنظم السعودي أورد عبارة الترتيب التعاقدي ولم يذكر أن الشراكة هي عقد؛ إدراكًا منه أن الأمر لا يقتصر على الإيجاب والقبول فقط، بل يستلزم وجود إجراءات سابقة على التعاقد يتعين استيفاؤها، منها ضرورة إجراء تقييم أوَّلي أو دراسة جدوى تبيِّن أهداف الشراكة المزمع تنفيذها، بالإضافة إلى التكاليف الإجمالية لها، والمخاطر التي تنطوي عليها، ومدى تلبية الشراكة لمتطلبات التنمية المستدامة (4)

والمنظم ذَكر -على سبيل الحصر لا المثال- الأعمال التي تشملها الشراكة، كما جعل توزيع المخاطر نوعيًا وكميًا بين القطاعين؛ وذلك لأنه يصعب -بل يستحيل- أن يتحمَّل الطرف الخاص في عقود المشاركة جميع المخاطر منفردًا، وإلا أَحْجَمَ المستثمرون عن الشراكة في مشروعات البنية الأساسية، والخدمات، والمرافق، كما استبعد الأشخاص الطبيعيين من هذه الشراكة؛ لعظم المهام موضوع الشراكة. 

أهداف الشراكة بين القطاعين العام والخاص:

1- المساعدة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للجهات الحكومية، وترشيد الإنفاق العام، وزيادة إيرادات الدولة، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وزيادة قدرته التنافسية لمواجهة التحديات والمنافسة الإقليمية والدولية ذات الصلة بمشاريع التخصيص.

2- رَفْع مستوى شمولية وجودة الخدمات، وتوفيرها في الوقت والتكلفة المناسبين، ورفع كفاءة الأصول ذات الصلة بمشاريع التخصيص، وتحسين مستوى إدارتها، والعمل على تجهيز أو إعادة هيكلة القطاعات، والأجهزة، والأصول، والخدمات العامة المراد تخصيصها.

3- تحفيز القطاع الخاص المحلي والأجنبي على الاستثمار والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني، من خلال مشاريعَ تحقّق الجدوى التنموية للحكومة، والجدوى الاقتصادية للقطاعين العام والخاص، وزيادة حصة القطاع الخاص في الناتج المحلي، بما يحقق نموًّا في الاقتصاد الوطني.

4- العمل على توسيع نطاق مشاركة المواطنين في ملكية الأصول الحكومية، وزيادة فرص العمل والتشغيل الأمثل للقوى الوطنية العاملة. (5) 

وحال التزام الشراكة بين القطاع العام والخاص بالأهداف التي تصبو إليها، تصبح أداة من أدوات تحقيق التنمية المستدامة.

مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتمديده

تنص المادة (20) من نظام التخصيص على أنه: “تكون مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص وفقًا لما يتفق عليه أطرافه، على ألّا تتجاوز مدته – الأصلية، أو بعد تجديده أو تمديده- (ثلاثين) سنة من تاريخ توقيعه أو تاريخ نفاذه المتفق عليه في حال كان لاحقًا لتاريخ توقيع العقد. 

ويجوز للجهة المختصة -بناءً على توصية من الجهة التنفيذية- الموافقة على ما يأتي:

  1. أن تتجاوز مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص الأصلية (ثلاثين) سنة.
  2.  تمديد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو تجديده؛ بحيث تصبح مدته الإجمالية أكثر من (ثلاثين) سنة.

إذا انتهت مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأُعيد طرح مشروع الشراكة في عملية عطاء جديدة، وتمت ترسيته على الطرف الخاص نفسه الذي انتهت مدة عقده، فلا يُعَدُّ ذلك تمديدًا أو تجديدًا لمدته؛ وذلك لأغراض احتساب مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص الواردة في الفقرة (1) من هذه المادة”. 

ومما تقدم يتضح لنا من قراءة النص آنف الذِّكْر أن المنظم ترك للمتعاقدين الاتفاق على تحديد مدة التعاقد، ولكنه قيَّد ذلك بحدٍّ أقصى لمدة التعاقد لا يجب أن تتجاوزه، فجعل مُدة التعاقد الأصلية -أو بعد تجديده أو تمديده- (ثلاثين) سنة من تاريخ توقيعه أو تاريخ نفاذه المتفق عليه في حال كان لاحقًا على تاريخ توقيع العقد، إلا أنه أجاز للجهة المختصة -بناء على توصية من الجهة التنفيذية- الموافقةَ على أن تتجاوز مدة العقد ثلاثين سنة. 

 كما أجاز المنظِّمُ للجهة المختصة بناء توصية من الجهة التنفيذية أيضًا، الموافقة على تمديد العقد أو تجديده؛ بحيث تصبح مدته الإجمالية أكثر من (ثلاثين) سنة.

وقد أوضحت المادة الثانية والعشرون من نظام التخصيص الحالات التي يكون فيها للجهة المختصة صلاحية تمديد العقد أو تجديده، وهي: 

  1. تأخر إنجاز مشروع التخصيص أو انقطاع تشغيله؛ بسبب ظروف لا يَدَ للأطراف فيها، وخارجة عن سيطرتهم.
  2. تعليق مشروع التخصيص.
  3. السماح للطرف الخاص باسترداد التكاليف الإضافية، الناشئة عن الاشتراطات الإضافية، التي ليس من المتوقع أن يكون قادرًا على استردادها خلال المدة الأصلية للعقد.
  4. تعديل بعض مواصفات العقد، أو العقد التابع؛ وفقًا لمقتضيات المصلحة العامة، وذلك بعد الحصول على الموافقات اللازمة لهذا التعديل؛ بموجب ما يقضي به النظام.

على أن المنظِّمَ لم يَعتبر انتهاء عقد الشراكة، وإعادة طرح مشروع الشراكة في عملية عطاء جديدة، وإتمام ترسيته على الطرف الخاص نفسه الذي انتهت مدة عقده، تمديدًا أو تجديدًا لمدته؛ وذلك لأغراض احتساب مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (6)

إنهاء عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص: 

تنص المادة (28 /1) من نظام التخصيص على أنه: مع مراعاة الأحكام التعاقدية ذات العلاقة، للجهة التنفيذية -بعد الحصول على موافقة الجهة المختصة- إنهاء عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص والعقد التابع أو أي منهما بالإرادة المنفردة قبل انتهاء مدته في أي من الحالات الآتية:

أ- إخلال الطرف الخاص بتنفيذ التزاماته التعاقدية الجوهرية، أو عجزه عن تحقيق مستوى الجودة المتفق عليه، وذلك بعد إخطاره كتابةً بهذا الإخلال، وعدم تصحيح أوضاعه خلال الفترة المحددة في الإخطار، ويحدد العقد الالتزامات الجوهرية للطرف الخاص.

ب-إفلاس الطرف الخاص، أو تصفيته.

ج- إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. 

د- أي حالات أخرى يحددها العقد.

ومما تقدَّم يتضح أن المنظِّم قد أورد حالات إنهاء عقد الشراكة وذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، كما حرص في الحالة الأولى والمتعلقة بإنهاء العقد لإخلال الطرف الخاص بتنفيذ التزاماته الجوهرية المحددة بالعقد، أو عجزه عن تحقيق مستوى الجودة المتفق عليه، ولكن شريطة إخطاره كتابةً بهذا الإخلال، وعدم تصحيح أوضاعه خلال الفترة المحددة في الإخطار.

وبمطالعة الحالة، والتي تتعلق بإنهاء العقد حال إفلاس الطرف الخاص، والطرف الخاص يكون مفلسًا في حال كونه مدينًا استغرقت ديونُهُ جميعَ أصوله (7). أما تصفية الطرف الخاص، فتكون حيث يتم حصر مطالبات الدائنين وبيع أصول التفليسة، وتوزيع حصيلته على الدائنين تحت إدارة أمين التصفية (8)

 أما الحالات الباقية، مثل إذا اقتضت المصلحةُ العامةُ ذلك، فهي عبارة فضفاضة ولا يمكن تحجيمها أو تحديدها، وكذلك الحال في عبارة “أي حالات أخرى يحددها العقد”، فهي ترجع إلى ما يحدده المتعاقدان في العقد. 

 


 

المصادر:

1-د. محمد إبراهيم الشافعي – المشاركة بين القطاعين العام والخاص كوسيلة لتمويل مشروعات البنية الأساسية في مصر – بحث منشور بمجلة العلوم القانونية والاقتصادية العدد الثاني – السنة 53 – 7 /2011 – ص 14. 

2-Nutavoot, Pongsiri (2001), “Regulation and Public Private Partnerships”, Centre on Regulation and Competition, Working Paper Series, WP n. 12, October, p.5.

مشار إليه في بحث د. محمد إبراهيم الشافعي – المشاركة بين القطاعين العام والخاص كوسيلة لتمويل مشروعات البنية الأساسية في مصر المرجع سالف الذكر هامش ص 16. 

3- نظام التخصيص الصادر بمقتضى المرسوم الملكي رقم م /63 بتاريخ 5/8/1442هـ. 

4- د. محمد عبد الله عبد الرحمن الشمري – عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إطار نظام التخصيص السعودي – دراسة تحليلية مقارنة – منشور في المجلة القانونية (مجلة محكمة)على عقد الشراكة بين القطاع العام والخاص في إطار نظام التخصيص.pdf تاريخ الدخول 3/9/2025 الساعة 1.17 ظهراً، ص 558 . 

5- المادة (3) من نظام التخصيص الصادر بمقتضى المرسوم الملكي رقم م /63 بتاريخ 5/8/1442هـ .

6- المادة (20 /2) من ذات النظام. 

7- المادة الأولى من نظام الإفلاس الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/50) بتاريخ 28 /5/1439 هـ. 

8- المادة الأولى من ذات النظام. 

Stay Connected

ابق على اتصال