لا شك أن المنافسة هي أساس التجارة والصناعة، وركيزة الاقتصاد الوطني ومحور السوق واستمراره؛ لذلك حرصت جُلُّ التشريعات على التدخل من أجل حماية المنافسة وتنظيم السوق؛ وذلك من خلال رسم سياسة واضحة المعالم، وتعتبر قوانين المنافسة الأمريكية من أقدم القوانين وأولها ظهورًا، وإن كانت الشرائع القديمة قد تطرقت إلى مسألة منع الاحتكار- وهو الوجه الآخر لعملية المنافسة، وعليه – فقد تنبه المشرع الأمريكي إلى ضرورة وجود قوانين حاكمة ومنظمة لعملية المنافسة، فظهر قانون شيرمان عام 1890م، وصدر قانون كلايتون عام 1914م معدلًا لأحكامه، فكان أكثر تطورًا وإلمامًا بالوضع الاقتصادي(1)، وقد اهتمت المملكة العربية السعودية اهتمامًا بالغًا بالمنافسة، فأصدرت نظام المنافسة الجديد (2) بهدف حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة وضع الممارسات الاحتكارية التي تؤثر على المنافسة المشروعة أو على مصلحة المستهلك؛ بما يؤدي إلى تحسين بيئة السوق وتنمية الاقتصاد (3). ويعتبر نظام المنافسة السعودي – ممثلًا في مجلسه أو هيئته- أحد الأعمدة التي تقوم عليها التجارة في السعودية، كما هو الحال لأجهزة المنافسة في الدول المتقدمة، وذلك لعدة أسباب:
أولها: أن نظام المنافسة السعودي يعتبر صمام أمان لعدد هائل من المنشآت والمشاركين في السوق، فهو يكفل للشركات الناشئة المنافسة أن تحصل على الفرص العادلة للاستثمار؛ لتعزيز المنافسة بين الشركات الموجودة.
ثانيها: وضوح نظام المنافسة السعودي من جهة، وقوة تطبيقه من جهة أخرى؛ يعطي ثقة لعدد كبير من المستثمرين الأجانب للدخول إلى السوق السعودية (4).
لذلك، يؤدي نظام المنافسة إلى وجود بيئة منافسة عادلة، بما يتوافق مع تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وإذا كانت حرية المنافسة تستدعي فتح المجال أمام المتعاملين الاقتصاديين والمؤسسات؛ لممارسة النشاط الاقتصادي وإلغاء القيود، فإن الحرية المفرطة ستؤدي إلى نتائج سلبية، خاصة وأن بعض المؤسسات المهيمنة قد تسلك مسلكًا تعسفيًا، سواء أكان من خلال استبعاد المنافسين الآخرين، أو تقييد أو تحريف الغرض الأساسي من المنافسة؛ لذلك كان حَرِيًا بالمنظم أن يواجه هذه الممارسات، بوضع آلية فعالة لحماية المنافسة؛ من خلال وضع الأحكام التي تضبطها (5).
حظر الممارسات والاتفاقات والعقود بين المنشآت التي تهدف إلى الإخلال بالمنافسة:
نصت المادة الرابعة من نظام المنافسة على أن: “تكون أسعار السلع والخدمات وفقًا لقواعد السوق ومبادئ المنافسة الحرة؛ عدا أسعار السلع والخدمات التي تُحدد بناءً على قرار من مجلس الوزراء، أو بموجب نظام”.
فقد حظر الممارسات، ومنها: الاتفاقيات أو العقود بين المنشآت، سواء أكانت مكتوبة أم شفهية، صريحة كانت أم ضمنية، إن كان الهدف منها أو الأثر المترتب عليهـــا؛ الإخــــلال بالمنافســـة، وبخاصة ما يأتي:
- تحديد أو اقتراح أسعار السلع، وبدل الخدمات وشروط البيع أو الشراء وما في حكمها.
- تحديد أحجام، أو أوزان، أو كميات إنتاج السلع، أو أداء الخدمات.
- الحد من حرية تدفق السلع والخدمات إلى الأسواق، أو إخراجها منها بصفة كلية أو جزئية؛ وذلك من خلال إخفائها، أو تخزينها دون وجه حق، أو الامتناع عن التعامل فيها.
- أي سلوك يؤدي إلى عرقلة دخول منشأة للسوق أو إقصائها منه.
- حجب السلع والخدمات المتاحة في السوق، بصفة كلية أو جزئية عن منشأة أو منشآت معينة.
- تقسيم الأسواق لبيع السلع والخدمات أو شرائها، أو تخصيصها وفقاً لأي معيار، وبخاصة المعايير الآتية:
أ- المناطق الجغرافية.
ب- مراكز التوزيع.
ج- نوعية العملاء.
د- المواسم والمدد الزمنية.
7- تجميد عمليات التصنيع، والتطوير، والتوزيع، والتسويق، وجميع أوجه الاستثمار الأخرى، أو الحد من ذلك.
8- التواطؤ أو التنسيق في العطاءات، أو العروض في المزايدات والمنافسات الحكومية، أو غيرها بما يخل بالمنافسة (6)، ولا يُعَدُّ من قبيل التواطؤ تقديم عروض مشتركة يفصح عنها أطرافها منذ البداية، وتتطلبها طبيعة المشروع، على ألا تكون الغاية منها أو الأثر المترتب عليها الإخلال بالمنافسة (7).
ويقصد بالمنشأة في المادة آنفة الذكر: ” كل شخص ذي صفة طبيعية أو اعتبارية يمارس نشاطًا اقتصاديًا”(8).
حظر استغلال الوضع المهيمن في السوق؛ للإخلال بالمنافسة أو الحد منها:
ورد تعريف الوضع المهيمن في المادة الأولى من نظام المنافسة، بأنه هو: “وضع تكون من خلاله المنشأة – أو مجموعة منشآت – مسيطرة على نسبة معينة من السوق التي تمارس نشاطها فيها، أو قادرة على التأثير فيها، أو بهما معًا، وتحدد اللائحة تلك النسبة، وفقًا لمعايير يقرها المجلس. ”
وتتحقق الهيمنة في السوق المعنية بأحد المعيارين التاليين:
1-بلوغ الحصة السوقية نسبة 40% فأكثر، سواء من منشأة واحدة أو أكثر.
2-القدرة على التأثير على السوق المعنية، أو التحكم في الأسعار أو الإنتاج أو العرض.
فوضع الهيمنة هو حق لكل اقتصادي يمتاز عن غيره في السوق؛ بسبب ما توصلت إليه منتجاته أو خدماته من شهرةٍ تجارية (9). إلا أن التعسف في استغلال هذا الوضع للإخلال بالمنافسة المشروعة، هو ما حظره المنظم في المادة السادسة من نظام المنافسة، حيث نص على أنه: “يحظر على المنــشــأة أو المنشآت التي تتمتع بوضع مهيمن في السوق أو جزء مهم منه؛ إساءة استغلال هذا الوضع للإخلال بالمنافسة أو الحد منها، ومن ذلك ما يأتي:
1- بيع السلعة أو الخدمة بسعر أقل من التكلفة الإجمالية؛ لإخراج منشآت من السوق أو تعريضها لخسائر جسيمة، أو إعاقة دخول منشآت محتملة.
2- تحديد أسعار، أو شروط إعادة بيع السلع أو الخدمات، أو فرضها.
3- تقليل الكميات المتاحة من المنتجات أو زيادتها؛ لأجل التحكم بالأسعار، وافتعال وفرة أو عجز غير حقيقي.
4- التمييز في التعامل بين المنشآت في العقود المتشابهة؛ بالنسبة إلى أسعار السلع، وبدل الخدمات، أو شروط بيعها وشرائها.
5- رفض التعامل مع منشأة أخرى دون سبب موضوعي؛ وذلك من أجل الحد من دخولها السوق.
6- الاشتراط على منشأة، الامتناع عن التعامل مع منشأة أخرى.
7- تعليق بيع سلعة، أو تقديم خدمة بشرط تحمّل التزامات، أو قبول سلع أو خدمات، تكون بطبيعتها، أو بموجب الاستخدام التجاري غير مرتبطة بالسلعة أو الخدمة محل التعاقد أو التعامل الأصلي.”
وجوب الإبلاغ عن التركز الاقتصادي وشروطه:
أوجبت المادة (7) من نظام المنافسة: “على المنشآت الراغبة في المشاركة في عملية التركز الاقتصادي، إبلاغ الهيئة قبل (90) يومًا على الأقل من إتمامها، إن تجاوز إجمالي قيمة المبيعات السنوية للمنشآت الراغبة في المشاركة في التركز الاقتصادي مبلغًا تحدده اللائحة.”
ويقصد بالتركز الاقتصادي في هذا الصدد: ” كل عمل ينشأ منه نقل كلِّي أو جزئي لملكية أصول، أو حقوق، أو أسهم، أو حصص، أو التزامات منشأة إلى منشأة أخرى، أو الجمع بين إدارتين أو أكثر في إدارة مشتركة، وذلك وفقًا لما تحدده اللائحة من ضوابط ومعايير.” وأوضحت اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة، شروط الإبلاغ وحدوده، والإجراءات الواجب اتباعها فيه، وذلك في المواد من (2- 25).
- العقوبات التي رصدها المنظم حال الإخلال بالمنافسة:
نصت المادة (19) من نظام المنافسة على أنه:
1- مع عدم الإخلال بما نصت عليه المادة (الرابعة والعشرون) من النظام، يعاقب كل من يخالف أي حكم من أحكام المواد (الخامسة، والسادسة، والسابعة، والحادية عشرة) من هذا النظام بغرامة لا تتجاوز (10%) من إجمالي قيمة المبيعات السنوية محل المخالفة، أو بما لا يتجاوز (عشرة ملايين) ريـال عند استحالة تقدير المبيعات السنوية، وللجنة – في حالات تقدرها- الاستعاضة عن ذلك بإيقاع غرامة لا تتجاوز ثلاثة أضعاف المكاسب التي حققها المخالف نتيجة المخالفة.
2- مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها النظام أو نظام آخر، ودون إخلال بما نصت عليه الفقرة (1) من هذه المادة؛ يعاقب من يخالف أي حكم من أحكام المادة (السادسة عشرة) من النظام بغرامة لا تتجاوز (5%) من إجمالي قيمة المبيعات السنوية، أو بما لا يتجاوز (خمسة ملايين) ريـال عند استحالة تقدير المبيعات السنوية.
3- إن عاد المخالف لارتكاب مخالفته؛ فللجنة أن تضاعف الغرامة المحكوم بها في المرة الأولى، ويُعد المخالف عائدًا في حال ارتكاب المخالفة نفسها قبل مضي مدة (ثلاث) سنوات من تاريخ صدور القرار بالمخالفة الأولى.
4-يُنشر القرار الصادر بالمخالفات الواردة في هذه المادة على نفقة المخالف، في صحيفة محلية تصدر في مقر إقامته، أو في أي وسيلة إعلامية أخرى مناسبة، على أن يكون النشر بعد اكتساب الحكم الصادر في شأنه صفة القطعية، أو بعد أن يكون القرار نهائيًا.
5-يصدر المجلس قرارًا يحدد الحالات التي يكون فيها النشر الوارد في الفقرة (4) من هذه المادة جوازيًّا، وتحدد اللائحة الضوابط الواجب مراعاتها في القرار.”
وقد حددت اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة، الضوابط المتعلقة بتقدير العقوبة، ومدى وجوب نشر القرارات المتعلقة بالعقوبات، والضوابط الأخرى في الفصل السابع المواد من (45 :53).
الخلاصة :
يتناول الموضوع نظام المنافسة السعودي الجديد وأبعاده القانونية والاقتصادية مع إبراز دوره الجوهري في تحقيق رؤية المملكة 2030 عبر تعزيز بيئة استثمارية عادلة.كما يوضح جذور هذه القوانين تاريخيًا وتطورها مشددًا على حظر الممارسات الاحتكارية والاتفاقيات التي تعيق التدفق الحر للسلع أو تتلاعب بالأسعار. كما يعدد ضوابط منع إساءة استغلال الهيمنة السوقية وضرورة الإبلاغ عن عمليات التركز الاقتصادي لضمان عدم تضرر المنافسين الجدد. وأشار الموضوع الى العقوبات والجزاءات المالية الصارمة التي تفرضها الهيئة العامة للمنافسة على المنشآت المخالفة لضمان شفافية السوق واستقراره.
اسئلة حول أحكام الممارسات المخلة بالمنافسة:
كيف يحمي نظام المنافسة السعودي المستهلك والشركات الناشئة؟
ساهم نظام المنافسة السعودي بشكل جوهري في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 من خلال العمل كركيزة أساسية لتنظيم السوق وتطوير الاقتصاد الوطني تمثلت هذه المساهمة في:
1 / جذب الاستثمارات الأجنبية: إن وضوح نصوص نظام المنافسة وقوة تطبيقه على أرض الواقع يمنحان ثقة كبيرة للمستثمرين الأجانب، مما يشجعهم على ضخ استثماراتهم والدخول إلى السوق السعودية.
2/ ضمان الشفافية والاستقرار: من خلال فرض عقوبات صارمة على الممارسات المخلة بالمنافسة (مثل التلاعب بالأسعار أو تقييد تدفق السلع) يضمن النظام شفافية السوق واستقراره وهي عناصر أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام الذي تنشده الرؤي.
3/ تعزيز بيئة استثمارية عادلة: يهدف النظام إلى خلق بيئة تنافسية عادلة وهو ما يتماشى مباشرة مع مستهدفات الرؤية في بناء اقتصاد مزدهر.
4/دعم الشركات الناشئة: يعتبر النظام “صمام أمان” للمنشآت حيث يكفل للشركات الناشئة الحصول على فرص استثمارية عادلة مما يسمح لها بمنافسة الشركات الكبيرة والموجودة مسبقاً في السوق.
ما هي الأفعال التي تعتبر إساءة لاستغلال الوضع المهيمن؟
الأفعال التي تُعتبر إساءة لاستغلال الوضع المهيمن هي:
- البيع بأقل من التكلفة:
-
بيع السلعة أو الخدمة بسعر أقل من التكلفة الإجمالية بهدف إخراج منشآت من السوق أو تعريضها لخسائر جسيمة أو منع دخول منشآت جديدة محتملة.
- التحكم في أسعار وشروط إعادة البيع:
- تحديد أو فرض أسعار أو شروط معينة لإعادة بيع السلع أو الخدمات.
- التلاعب بالكميات المتاحة:
- تقليل أو زيادة الكميات المنتجة من أجل التحكم في الأسعار وافتعال حالة من الوفرة أو العجز غير الحقيقي في السوق.
- التمييز في التعامل:
- التفريق بين المنشآت في العقود المتشابهة فيما يخص أسعار السلع بدل الخدمات أو شروط البيع والشراء.
- رفض التعامل غير المبرر:
- الامتناع عن التعامل مع منشأة أخرى دون سبب موضوعي وذلك بهدف الحد من دخولها إلى السوق.
- فرض الحصرية:
- اشتراط امتناع منشأة ما عن التعامل مع منشأة أخرى.
- البيع المشروط (الارتباط):
- تعليق بيع سلعة أو تقديم خدمة بقبول المشتري لالتزامات أو سلع أو خدمات أخرى لا ترتبط بطبيعتها أو بالاستخدام التجاري بالسلعة الأصلية محل التعاقد.
تعتبر هذه الممارسات تعسفية لأنها تهدف إلى استبعاد المنافسين أو تقييد الغرض الأساسي من المنافسة مما دفع المشرّع لوضع أحكام تضبطها لحماية السوق.
المصادر:
- صالح بن حمد الراشدي، أهم قواعد وأحكام قانون المنافسة الأمريكي وتطبيقاته، بحث منشور بمجلة كلية القانون الكويتية، السنة 8، ملحق خاص – العدد 4، الجزء 2 جمادى الأولى والآخرة 1441 هـ يناير 2020 ص 253 على موقع Dr-Hamouda-Fathy-and-Dr.-Saleh-Al-Barashidi.pdf.
- نظام المنافسة الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م / 75) بتاريخ 29/6/1440هـ.
3-المادة الثانية من نظام المنافسة الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م / 75) بتاريخ 29/6/1440هـ.
4-د. ملحم بن حمد الملحم، نظام المنافسة السعودي ورؤية 2030، مقالة منشورة بالاقتصادية، بتاريخ 6 / 7/ 2017 على موقع نظام المنافسة السعودي. و«رؤية 2030»
5- قاصدي صورايا، حظر الممارسات التعسفية المضرة بالمنافسة آلية قانونية فعالة لحماية السوق، منشور على موقع المداخلات.pdf تاريخ الدخول 14 /12/ 2025 الساعة 6.15.
6- المادة (5) من نظام المنافسة الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م /75) بتاريخ 29/6/1440هـ.
7- المادة (8) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة الصادرة بموجب القرار الصادر من مجلس إدارة الهيئة العامة للمنافسة رقم 337 بتاريخ 25 /1/ 1441 هـ، لنظام المنافسة الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م / 75) بتاريخ 29/6/1440 هـ.
8- المادة الأولى من نظام المنافسة الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م /75) بتاريخ 29/6/1440هـ.
9- أ. بن وطاس إيمان، العون الاقتصادي والتعسف في وضعية الهيمنة كممارسة مقيدة للمنافسة، بحث منشور على موقع العون الاقتصادي والتعسف في وضعية الهيمنة كممارسة مقيدة للمنافسة | ASJP تاريخ الدخول 15/12/ 2025 الساعة 2.14 ظهرًا.