تشكل الشركة متعددة الجنسيات ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر، وفي إطار التحول الاقتصادي والتنظيمي الذي تشهده المملكة، فإن تواجد كيانات اقتصادية عملاقة؛ يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، الرامية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل التقنية والمعرفة، وتنويع القاعدة الاقتصادية.
وتخضع أنشطة هذا النوع من الشركات العاملة في المملكة، لحزمة متكاملة من الأنظمة التي تنظم البيئة التشغيلية والاستثمارية لها، حيث تسعى إلى تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الكبرى، وبين حماية المصالح الوطنية الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، ومن أبرزها: نظام الاستثمار الأجنبي، الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم (41) وتاريخ 16/2/1441هـ، الذي يحدد ضوابط دخول رأس المال الأجنبي، ومزاولة النشاط الاقتصادي.
وعلى الصعيد الدولي، تلتزم المملكة بالعديد من الاتفاقيات الثنائية؛ لتشجيع وحماية الاستثمارات، وكذلك بمبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD)، التي تشكل مرجعية عالمية للممارسات المسؤولة في مجالات حوكمة الشركات، وحقوق الإنسان، ومكافحة الفساد، وحماية البيئة.
نشأة الشركة متعددة الجنسيات:
لطالما ارتبطت الشركة متعددة الجنسيات تقليديًا بصورة المؤسسات الناجحة، التي نمت عبر سنوات عديدة؛ لتصبح كيانات عملاقة تدير عمليات واستراتيجيات عابرة للحدود، وكان هذا الوصف دقيقًا بالفعل خلال معظم القرن العشرين؛ إذ رافقت تقنيات الاتصالات والنقل السائدة في تلك الفترة، اقتصاديات الحجم الكبير، غير أن الابتكارات التكنولوجية الحديثة، أزالت الكثير من هذه القيود، ولم يَعُد حجم الشركة شرطًا أساسيًا لاعتبار الشركة متعددة الجنسيات. (1)
من أهم القواعد التنظيمية:
أورد نظام الشركات عدة أحكام بشأن ممارسة الشركات الأجنبية لنشاطها في المملكة عمومًا، إذ نص على أن تمارس الشركة الأجنبية نشاطها وأعمالها داخل المملكة من خلال: فرع، أو مكتب تمثيل، أو أي شكل آخر (2)، على أن تلتزم بالتقيُّد بكافة الأنظمة والتشريعات في المملكة، وبالتزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية التي تكون طرفًا فيها. (3) ونظرًا لتعدد الدول التي تمارس الشركة نشاطها فيها؛ اعتبر المنظم فرع الشركة الأجنبية أو مكتب تمثيلها داخل المملكة، موطنًا لها فيما يتعلق بنشاطها وأعمالها داخل المملكة. (4)
توطين الشركة متعددة الجنسيات في المملكة
أعلنت المملكة في منتصف شهر فبراير من عام 2021م عن سياسة جديدة، تهدف إلى تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز عمق وجوده المحلي؛ حيث تقضي هذه السياسة بوقف جميع الجهات الحكومية؛ بما يشمل الهيئات، والمؤسسات، والصناديق التابعة للدولة، عن التعاقد مع أي شركة أجنبية تقوم بإدارة أعمالها في المملكة، أو التعامل معها عبر مكاتب إقليمية خارج الأراضي السعودية، وذلك اعتبارًا من الأول من يناير 2024م، ليأتي هذا القرار في إطار استراتيجية أوسع لخلق فرص عمل محلية؛ من خلال إلزام الشركات الأجنبية الراغبة في التعامل مع القطاع العام بنقل مراكز عملياتها الإقليمية أو إداراتها الفاعلة إلى داخل المملكة، وتحويل الرياض إلى مركز تجاري ومالي يضم مقرات الشركات الأجنبية، مما يسهم في خلق حركة اقتصادية ومالية أكبر، ويعزز من سمعة المملكة اقتصاديًا، ويسهم في تدفق الاستثمار الأجنبي. (5)
الخلاصة
يتحدث الموضوع عن الدور المحوري للشركات متعددة الجنسيات في تعزيز الاقتصاد السعودي ودعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويتناول الأطر القانونية والأنظمة التي تحكم عمل هذه الكيانات مع التركيز على ضرورة التوازن بين المصالح الوطنية والمعايير الدولية كالحوكمة وحقوق الإنسان. كما يوضح الموضوع التطور التاريخي لهذه الشركات حيث لم يعد حجم المؤسسة شرطاً وحيداً لتصنيفها ككيان عابر للحدود بفضل الابتكار التكنولوجي.
ويبين الموضوع التوجه الاستراتيجي الجديد للمملكة الذي يلزم الشركات الأجنبية بنقل مقارها الإقليمية إلى الداخل لضمان التعاقد مع الجهات الحكومية مما يسهم في توطين الوظائف وتحويل الرياض إلى مركز تجاري عالمي. وبموجب الأنظمة المحلية تلتزم هذه الشركات بممارسة نشاطها عبر أفرع أو مكاتب تمثيل تخضع للقوانين السعودية مما يعزز الاستقرار القانوني والمالي للبيئة الاستثمارية.
أسئلة تهم الشركات متعددة الجنسيات
كيف تدعم الشركات متعددة الجنسيات أهداف رؤية المملكة 2030؟
تلعب الشركات متعددة الجنسيات دوراً محورياً في دعم رؤية المملكة 2030 من خلال عدة مجالات رئيسية:
- نقل التقنية والابتكار: جلب أحدث الخبرات العالمية والحلول الرقمية للسوق السعودي.
- الاستثمار الأجنبي المباشر: ضخ رؤوس الأموال في القطاعات غير النفطية كالسياحة والترفيه والطاقة المتجددة.
- تنمية الكوادر البشرية: توفير برامج تدريبية متطورة وخلق فرص عمل نوعية للمواطنين (السعودة).
- تطوير المحتوى المحلي: التعاون مع الموردين المحليين لتعزيز سلاسل الإمداد الوطني.
ما هي الضوابط القانونية والتنظيمية لعمل الشركات الأجنبية بالمملكة؟
من أبرز هذه الضوابط:
- ترخيص الاستثمار: ضرورة الحصول على رخصة استثمار أجنبي تحدد نوع النشاط والكيان القانوني (مثل شركة ذات مسؤولية محدودة أو فرع شركة أجنبية).
- برنامج المقرات الإقليمية: ضوابط جديدة تشترط وجود مقر إقليمي في المملكة للاستفادة من بعض العقود الحكومية والحوافز الضريبية.
- الامتثال للأنظمة المحلية: الالتزام بنظام العمل (نسب السعودة)، الأنظمة الضريبية (الزكاة والدخل)، ونظام الشركات الجدي
كيف يؤثر قرار نقل المقرات الإقليمية على الاقتصاد المحلي ؟
ان قرار نقل المقرات الإقليمية يؤثر بشكل كبير ومباشر على الاقتصاد المحلي السعودي من خلال عدة محاور
- خلق وظائف نوعية: توفير فرص عمل تخصصية وقيادية للشباب السعودي في كبرى الشركات العالمية.
- زيادة الإنفاق المحلي: ضخ ميزانيات تشغيلية ضخمة داخل السوق السعودي من استئجار المكاتب إلى الخدمات اللوجستية والمعيشية.
- نقل الخبرات: تعزيز بيئة الابتكار عبر انتقال كبار التنفيذيين والخبراء العالميين مما يسهم في تطوير الكوادر المحلية.
- جذب الاستثمارات: تحويل المملكة إلى مركز جذب رئيسي في المنطقة مما يشجع شركات أخرى في سلاسل الإمداد على التواجد بالقرب من هذه المقرات.
المصادر:
- راج أجراوال، جيني بيرل، ايلان هاتسون، كولم كيرني، ما هي الشركة متعددة الجنسية؟ تصنيف درجة تعدد الجنسيات على مستوى الشركات، بحث منشور بمجلة International Business Review، المجلد 20 العدد 5، أكتوبر 2011، ص 557-577 < What is a multinational corporation? Classifying the degree of firm-level multinationality – ScienceDirect>.
- المادة (236) من نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/132) وتاريخ 1/12/1443هـ.
- المادة (5) من نظام الاستثمار الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ 16/1/1446هـ.
- المادة (239) من نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/132) وتاريخ 1/12/1443هـ.
- يوسف حمود، مورد جديد ماذا يعني قرار السعودية بشأن مقرات الشركات العالمية؟، مقال منشور بجريدة الخليج أونلاين، تم نشره بتاريخ 19/2/2021 < مورد جديد.. ماذا يعني قرار السعودية بشأن مقرات الشركات العالمية؟ | الخليج أونلاين>.