إن اختلاف المصالح، وعدم التوازن العقدي بين الشاحن والناقل في عقد النقل، تمتد جذوره إلى قديم الزمان؛ لاصطدام طرفيه؛ فالناقل يفرض شروطه باعتباره الطرف القوي في العلاقة التعاقدية؛ بينما يذعن الشاحن لهذه الشروط رغمًا عنه، ولكون هذا الصراع من شأنه أن يؤثر على تدفق التجارة الدولية وعلى الاقتصاد العالمي (1)؛ فقد دعت الحاجة إلى العمل على تقليل أو إزالة العوائق القانونية أمام تنمية التجارة الدولية؛ للمساهمة في قيام تعاون اقتصادي عالمي بين جميع الدول على أساس المساواة والإنصاف (2).
صدر قانون هاتر الأمريكي في عام 1893؛ لمنع استخدام الملاك والناقلين، لحرية التعاقد التي يتمتعون بها، ليكون هو القانون الرائد في القانون الدولي المتعلق بنقل البضائع عن طريق البحر بموجب سندات الشحن، ويُعَدُّ الأساس الذي استوحيت منه العديد من القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بعقود النقل البحري (3)، فعلى أثره، ظهرت معاهدة بروكسل الخاصة بتوحيد بعض القواعد القانونية المتعلقة بشأن سندات الشحن في عام 1924، وكان هدفها القضاء على الصراع المحتدم بين الناقل والشاحن حول شروط الإعفاء، وخاصة شرط الإهمال، وإقامة التوازن العقدي بينهما؛ إلا أنها لم تفلح في ذلك، وأخذ عليها أنها انحازت لصالح الناقل؛ لتظهر بعدها اتفاقية هامبورج عام 1978، التي مالت لمصلحة الشاحن على حساب الناقل، وفي عام 2008، حلت محلهما اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليًا أو جزئيًا، التي تعرف باتفاقية روتردام؛ حيث وضعت القواعد القانونية التي تواكب العديد من التطورات التكنولوجية والتجارية التي شهدها قطاع النقل البحري، وخاصة قطاع النقل بالحاويات، بالإضافة إلى تزويد الشاحنين والناقلين بنظام عالمي ملزم ومتوازن، لدعم تنفيذ عقود النقل البحري.
أولًا: مفهوم الشاحن:
ورد بيان مفهوم الشاحن في المادة 1/8 من اتفاقية روتردام، ونصها: “الشخص الذي يبرم عقد النقل مع الناقل”، وإن بساطة التعريف ووضوحه تهدف إلى إزالة أي لبس عند تفسيره من قبل الأطراف المتعاقدة في عقد النقل، ومن جهة أخرى، فإن الشاحن يتشابه مع الأشخاص الذين يتصرفون بصفة أصلية لحسابهم في معرض عقد النقل، أو يقومون بتوكيل غيرهم للقيام بهذه الأعمال نيابة عنهم (4).
ثانيًا: التزامات الشاحن:
تم تخصيص الفصل السابع من الاتفاقية، لتحديد التزامات الشاحن تجاه الناقل (5)؛ حيث يقع على عاتقه التزام عام، يتعلق ببذل العناية والحرص اللازمين تجاه الناقل والغير(6) بالإضافة إلى ما يلي:
- التزام الشاحن بالإعلام تجاه الناقل:
يجب على الشاحن أن يزود الناقل في الوقت المناسب، بما يخص البضائع من معلومات، وتعليمات، ومستندات تكون ضرورية لمناولة البضائع ونقلها بصورة ملائمة، بما في ذلك الاحتياطات التي يجب أن يتخذها الناقل أو الطرف المنفذ (7).
ويعتبر الشاحن ضامنًا لصحة المعلومات والتعليمات، التي يقدمها للناقل عن البضائع المراد مناولتها ونقلها بصورة ملائمة؛ وإلا وجب عليه التعويض عن كل ضرر يلحق بالناقل جراء عدم صحة تلك المعلومات (8).
- التزام الشاحن بالتنسيق مع الناقل:
أوجبت المادة 28 من الاتفاقية، التنسيق والتعاون بين أطراف النقل؛ من أجل تسهيل تنفيذ كل ما يطلبه الطرف الآخر؛ لمناولة البضائع ونقلها بصورة ملائمة، ويُعَدُّ الالتزام بالتنسيق، من الأمور التي استحدثتها اتفاقية روتردام، مع الإشارة إلى أن هذا الالتزام كان متعارفًا عليه بين الناقل والشاحن قبل هذه الاتفاقية، وكل ما فعلته قواعد هذه الاتفاقية أنها شرعت العرف والتعامل التجاري في نص قانوني(9).
- الالتزام بالقيام بعمليات الشحن والتفريغ:
الأصل هو قيام الناقل بتسليم البضائع، وتحميلها، ومناولتها، وتستيفها، وحفظها، والاعتناء بها، وتفريغها، وتسليمها على نحوٍ ملائم(10)؛ إلا أنه أُجيز للناقل والشاحن، أن يتفقا على أن يتولى الشاحن تحميل البضائع، أو مناولتها، أو تفريغها (11)؛ فالتزام الشاحن بتحميل البضائع، أو مناولتها، وتفريغها، هو التزام تخييري رُفض من قبل الدول النامية، خلال المناقشات التي تمت في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بقانون التجارة الدولية، تأسيسًا على أن الالتزامات المتعلقة بتستيف ورص البضائع من خلال وضع فواصل، هي من التزامات الناقل حصرًا، ولا يقبل فيها التفويض لغير الناقل، على عكس عمليات الشحن، والتي يمكن نقل عبئها من الناقل إلى الشاحن (12).
- التزامات الشاحن في حالة نقل البضائع الخطرة:
ألزمت اتفاقية روتردام الشاحن باتخاذ إجراءات خاصة حال كانت البضائع خطرة، حيث أوردتها المادة (32) فنصت على أنه: “عندما تكون البضائع، بحكم طبيعتها أو خاصيتها، خطرًا على الممتلكات أو البيئة، يُبَلّغ الشاحن الناقل بخطورة البضائع في وقت مناسب، قبل تسليمها إلى الناقل أو إلى الطرف المنفّذ، ويضع الشاحن على البضائع الخطرة علامة أو وسمًا، يتوافق مع أي قانون أو لوائح أو اشتراطات أخرى من جانب السلطات العمومية، تكون سارية أثناء أي مرحلة من نقل البضائع المقصودة. ”
ثالثًا: مسؤولية الشاحن الشخصية تجاه الناقل:
يتحمل الشاحن مسؤولية ما تكبده الناقل من خسارة أو ضرر، نجم عن إخلال الشاحن بأحد التزاماته وفقًا للاتفاقية (13)، سواء كان الإخلال بتسليم البضاعة للناقل تمهيدًا لنقلها، أو عدم الالتزام بتزويد الناقل بالبيانات، والمعلومات، والتعليمات والمستندات الخاصة بالبضاعة، ولا سيما عدم التزامه بإبلاغ الناقل عن خطورة البضائع، أو عدم وضع علامات تفيد بخطورة البضائع(14)، أو في حالة سوء التغليف أو انعدامه، وعدم احترام القواعد الخاصة للنقل بالحاويات (اختيار حاوية غير مطابقة لمواصفات البضائع)، والعيب الذاتي للبضائع، أو التأخر في وضع البضائع تحت تصرف الناقل من أجل نقلها، أو التأخر في سحب البضائع.
وتقوم مسؤولية الشاحن على أساس الخطأ الواجب الإثبات، فيجب على الناقل أن يثبت خطأ الشاحن، والخسارة والضرر الناجم عن إخلال الشاحن بواجباته آنفة الذكر، وعلاقة السببية بينهما. ويعفى الشاحن من المسؤولية؛ إذا كان سبب الهلاك أو التلف لا يُعْزى إلى خطأ ارتكبه هو أو أحد تابعيه، طبقًا للمادة (34) من الاتفاقية (15).
رابعًا/ مسؤولية الشاحن الشخصية عن أفعال تابعيه:
الشاحن ليس مسؤولًا عن أعماله الشخصية التي تخل بواجباته فحسب، بل هو مسؤول أيضًا عن الإخلال بالواجبات المفروضة عليه؛ نتيجة أفعال يُقدم عليها كل شخص عهد إليه بأداء أيٍّ من واجباته، بمن فيهم: المستخدمين التابعين له، ووكلائه، والمتعاقدين من الباطن.
ولا يُعَدُّ الشاحن مسؤولًا عن الأفعال التي يقدم عليها، أو يغفلها الناقل، أو الطرف المُنفذ الذي يتصرف نيابة عن الناقل، والذي كان الشاحن قد عهد إليه بأداء واجباته (16).
ونستنتج مما سبق، أن المادة (34) من اتفاقية روتردام، أجابت عن: ماذا يُسأل الشاحن، وعن: ماذا لا يُسأل؟ فلا يُسأل إلا عن التصرفات والإغفالات، التي يتوجب عليه بذل العناية المطلوبة فيها لتنفيذ التزاماته، وأيضًا عن التصرفات والإغفالات التي تصدر عن تابعيه أو ممثليه (17).
أسئلة هامة حول مسؤولية الشاحن في اتفاقية روتردام:
ما هي أهم الالتزامات المفروضة على الشاحن في اتفاقية روتردام؟
تم تخصيص الفصل السابع من الاتفاقية، لتحديد التزامات الشاحن تجاه الناقل حيث يقع على عاتقه التزام عام يتعلق ببذل العناية والحرص اللازمين تجاه الناقل والغيربالإضافة إلى ما يلي:
-
التزام الشاحن بالإعلام تجاه الناقل:
يجب على الشاحن أن يزود الناقل في الوقت المناسب، بما يخص البضائع من معلومات، وتعليمات، ومستندات تكون ضرورية لمناولة البضائع ونقلها بصورة ملائمة، بما في ذلك الاحتياطات التي يجب أن يتخذها الناقل أو الطرف المنفذ
-
التزام الشاحن بالتنسيق مع الناقل:
أوجبت المادة 28 من الاتفاقية التنسيق والتعاون بين أطراف النقل من أجل تسهيل تنفيذ كل ما يطلبه الطرف الآخر لمناولة البضائع ونقلها بصورة ملائمة ويُعَدُّ الالتزام بالتنسيق من الأمور التي استحدثتها اتفاقية روتردام مع الإشارة إلى أن هذا الالتزام كان متعارفًا عليه بين الناقل والشاحن قبل هذه الاتفاقية وكل ما فعلته قواعد هذه الاتفاقية أنها شرعت العرف والتعامل التجاري في نص قانوني.
-
الالتزام بالقيام بعمليات الشحن والتفريغ:
الأصل هو قيام الناقل بتسليم البضائع وتحميلها ومناولتها وتستيفها وحفظها والاعتناء بها وتفريغها وتسليمها على نحوٍ ملائم إلا أنه أُجيز للناقل والشاحن أن يتفقا على أن يتولى الشاحن تحميل البضائع أو مناولتها أو تفريغها فالتزام الشاحن بتحميل البضائع أو مناولتها وتفريغها هو التزام تخييري رُفض من قبل الدول النامية خلال المناقشات التي تمت في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بقانون التجارة الدولية تأسيسًا على أن الالتزامات المتعلقة بتستيف ورص البضائع من خلال وضع فواصل هي من التزامات الناقل حصرًا ولا يقبل فيها التفويض لغير الناقل على عكس عمليات الشحن والتي يمكن نقل عبئها من الناقل إلى الشاحن
-
التزامات الشاحن في حالة نقل البضائع الخطرة:
ألزمت اتفاقية روتردام الشاحن باتخاذ إجراءات خاصة حال كانت البضائع خطرة حيث أوردتها المادة (32) فنصت على أنه: “عندما تكون البضائع، بحكم طبيعتها أو خاصيتها خطرًا على الممتلكات أو البيئة يُبَلّغ الشاحن الناقل بخطورة البضائع في وقت مناسب قبل تسليمها إلى الناقل أو إلى الطرف المنفّذ ويضع الشاحن على البضائع الخطرة علامة أو وسمًا يتوافق مع أي قانون أو لوائح أو اشتراطات أخرى من جانب السلطات العمومية تكون سارية أثناء أي مرحلة من نقل البضائع المقصودة.
متى يُعفى الشاحن من المسؤولية الشخصية عن أضرار البضائع؟
الشاحن و المسؤولية الشخصية
يتحمل الشاحن مسؤولية ما تكبده الناقل من خسارة أو ضرر نجم عن إخلال الشاحن بأحد التزاماته وفقًا للاتفاقية سواء كان الإخلال بتسليم البضاعة للناقل تمهيدًا لنقلها أو عدم الالتزام بتزويد الناقل بالبيانات والمعلومات والتعليمات والمستندات الخاصة بالبضاعة وعدم التزامه بإبلاغ الناقل عن خطورة البضائع أو عدم وضع علامات تفيد بخطورة البضائع أو في حالة سوء التغليف أو انعدامه وعدم احترام القواعد الخاصة للنقل بالحاويات (اختيار حاوية غير مطابقة لمواصفات البضائع) والعيب الذاتي للبضائع أو التأخر في وضع البضائع تحت تصرف الناقل من أجل نقلها أو التأخر في سحب البضائع.
وتقوم مسؤولية الشاحن على أساس الخطأ الواجب الإثبات فيجب على الناقل أن يثبت خطأ الشاحن والخسارة والضرر الناجم عن إخلال الشاحن بواجباته آنفة الذكر وعلاقة السببية بينهما. ويعفى الشاحن من المسؤولية إذا كان سبب الهلاك أو التلف لا يُعْزى إلى خطأ ارتكبه هو أو أحد تابعيه طبقًا للمادة (34) من الاتفاقية.
الخلاصة :
يتتبع الموضوع التطور التاريخي والتشريعي الذي أدى إلى ظهور اتفاقية روتردام لعام 2008 بهدف إيجاد توازن قانوني بين الشاحن والناقل في عقود النقل البحري الدولية. ويعدد الالتزامات الجوهرية للشاحن ومن أبرزها تقديم معلومات دقيقة عن البضائع والتنسيق المستمر مع الناقل واتباع بروتوكولات صارمة عند التعامل مع المواد الخطرة. كما تحدد الاتفاقية نطاق المسؤولية الشخصية للشاحن حيث يُسأل عن الأضرار الناجمة عن أخطائه أو تقصير تابعيه ووكلائه. وتتبنى الاتفاقية معيار الخطأ واجب الإثبات مما يعني أن الشاحن لا يتحمل التعويض إلا إذا أثبت الناقل وجود تقصير مباشر أدى لوقوع الضرر. وتهدف هذه القواعد في مجموعها إلى تحديث القوانين البحرية لتواكب المتغيرات التكنولوجية المعاصرة وتسهيل حركة التجارة العالمية.
المصادر:
- قرارية قويدر، مسئولية الشاحن في عقد النقل البحري للبضائع، منشور بالمجلة الجزائرية للقانون البحري والنقل – العدد الرابع – منشور على موقع مسؤولية الشاحن في عقد النقل البحري للبضائع. | ASJP تاريخ الدخول 19/10 / 2025 الساعة 3.25 عصرًا.
- ديباجة اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليًا أو جزئيًا ـ اتفاقية روتردام لعام 2008 المنشورة على موقع United Nations Convention on Contracts for the International Carriage of Goods Wholly or Partly by Sea تاريخ الدخول 19/10 /2025 الساعة 3.45 عصرًا.
- د. أحمد محمود حسني، النقل الدولي البحري للبضائع، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الثانية 1979، ص 26.
- د. عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، منشور بمجلة الشريعة والقانون العدد السبعون السنة الحادية والثلاثون في أبريل 2017 على موقع (PDF) الوضع القانوني للشاحن في ظل قواعد روتردام لسنة 2008 تاريخ 19/10 /2025الساعة 5.31 عصرًا.
- د. عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، المرجع سالف الذكر، ص 189.
- د. عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، المرجع سالف الذكر، ص6-المادة 27 /2 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليًا أو جزئيًا ـ اتفاقية روتردام لعام 2008 المنشورة على موقع
United Nations Convention on Contracts for the International Carriage of Goods Wholly or Partly by Sea تاريخ الدخول 19/10 /2025 الساعة 3.45.
- المادة 29 /1 من ذات الاتفاقية.
- المادة 31 /1 من ذات الاتفاقية.
- د. عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، المرجع سالف الذكر، ص 201.
- المادة 13/1 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليًا أو جزئيًا ـ اتفاقية روتردام لعام 2008 المنشورة على موقع United Nations Convention on Contracts for the International Carriage of Goods Wholly or Partly by Sea تاريخ الدخول 20 /10/ 2025 الساعة 13.19 ظهرًا.
- المادة 13 /2 من ذات الاتفاقية.
- د. عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، المرجع سالف الذكر، ص 202.
- المادة 30/1 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليًا أو جزئيًا ـ اتفاقية روتردام لعام 2008.
- المادة 32/ أ من ذات الاتفاقية.
- المادة 30 /2 من ذات الاتفاقية.
- المادة 34 من ذات الاتفاقية.
- . عماد الدين عبد الحي، الوضع القانوني للشاحن في ضوء قواعد روتردام لعام 2008، المرجع سالف الذكر، ص 216.