الرئيسية - العقود والتجارة الدولية والنقل - مسؤولية الناقل البحري دوليًا

مسؤولية الناقل البحري دوليًا

تهتم المملكة بالنقل البحري؛ باعتباره أهم وسيلة لنقل البضائع، سواء على مستوى التصدير أو الاستيراد، وقد يكون النقل البحري وطنيًا أو دوليًا، فيُعدُّ وطنيًّا إذا كانت جميعُ عناصر العقد الذي يتم بموجبه النقل وطنيةً، وقد يكون دوليًا إذا وجد عنصر أجنبي (1).

وتنبع مسؤولية الناقل البحري -بوجه عام- من مسألة تركّز الصراع بين المصالح المتعارضة في عقد النقل البحري؛ إذ إن مصلحة الناقلين في الإعفاء من المسؤولية عنها، أو للتخفيف من أثرها قَدْر المستطاع، ومصلحة الشاحنين في الحصول على التعويض المناسب بأسهل الشروط؛ حال هلاك بضائعهم، أو تلفها، أو تأخّر وصولها. وتبرز هذه الأهمية حيث وُضعت نصوصٌ في هذه الاتفاقية -مقارنة باتفاقية بروكسل لعام 1924م- تُحقِّق توازنًا بين الدول النامية التي لا تمتلك أساطيل تجارية لاستيراد وتصدير منتجاتها، والدول المتقدمة التي تمتلك السفن الناقلة لهذه البضائع (2).

المقصود بالناقل البحري:

1- الناقل: “هو كل شخص أبرم عقدًا أو أُبرِمَ باسمه عقدٌ مع شاحن لنقل بضائع بطريق البحر”.

2- الناقل الفِعلي: “كل شخص عَهد إليه الناقل بتنفيذ نقل البضائع، أو تنفيذ جزء من هذا النقل، ويشمل كذلك أي شخص آخَر عهد إليه بهذا التنفيذ. 

التزامات الناقل البحري:

لم تَذكر اتفاقية هامبورج 1978 التزامات الناقل البحري صراحة، ولكنها وضعت أحكامها مفترِضةً وجود هذه الالتزامات (3)

ويمكن تعداد هذه الالتزامات على النحو التالي:

– الالتزام ببذل العناية الواجبة قبل الرحلة وعند البدء فيها، بتجهيز السفينة، وجعلها صالحة للملاحة، وتجهيزها بما يلزم من بحَّارة ومُؤَن ومعدات.

– الالتزام بشحن البضاعة، وتشوينها، ورصها، ونقلها، والمحافظة عليها، والعناية بها، وتفريغها.

– الالتزام بإصدار سَنَد الشحن إذا طلب منه الشاحن ذلك بعد تسليم البضاعة إليه (4).

حالات مسؤولية الناقل البحري:

تتميز اتفاقية هامبورج 1978 عن اتفاقية بروكسل عام 1924 بأنها الأولى التي تُعالج حالات المسؤولية الثلاث (الهلاك، والتلف، والتأخير)، بينما اتفاقية بروكسل لم تعالج مسؤولية الناقل حال التأخير في تسليم البضاعة.

يُسأل الناقل البحري عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك الناتجة عن التأخير في التسليم، وأيضا إذا وقع الفعل الذي تسبّب في الهلاك، أو التلف، أو التأخير في أثناء وجود البضائع في عُهدته كما هو مبيّن في المادة الرابعة من اتفاقية هامبورج عام 1978، وذلك ما لم يثبت الناقل البحري أنه قد اتخذ هو، أو مستخدموه، أو وكلاؤه، جميع ما كان من المعقول اتخاذه من تدابير؛ لتجنب هذا الفعل أو الحادث وتبعاته (5)

وأخطر حالات المسؤولية هو الهلاك “loss”، وقد يكون هلاكًا كليًا ويقصد به: عدم وصول البضاعة كلها، وقد يكون هلاكًا جزئيًا وهو: احتراق، أو غرق، أو سرقة، أو فقد البضاعة، والتلف “damage” هو وصول البضاعة كاملة ولكن تالفة، مثال ذلك، عطن الفاكهة، أو ذبول الزهور”، والتأخير “delay” يقع إذا لم تُسلَّم البضائع في الميناء المحدد، وفي الميعاد المتفق عليه في العقد (6).

الأساس القانوني لمسؤولية الناقل البحري:

حددت الفقرة الأولى من المادة الخامسة من اتفاقية هامبورج عام 1978 أساسَ مسئولية الناقل البحري، وجعلته مسؤولًا عن كل حادث ينشأ عنه هلاك البضاعة، أو تلفها، أو تأخُّر وصولها، إلا إذا أثبت أنه هو أو وكلاؤه أو تابعوه، أنهم قد اتخذوا كل التدابير المعقولة؛ لاتِّقاء وقوع الحادث وتوقّي نتائجه. 

ويتَوجَّب أن يُثبت المدعي الضرر والحادث الذي تسبب فيه، فتقوم قرينة تفترض مسؤولية الناقل عن الحادث، فإذا أراد الناقل تقويض القرينة للإفلات من المسؤولية، فعليه أن يثبت أنه هو، أو وكلاؤه، أو تابعوه، قد اتخذوا كل حيطة معقولة لمنع وقوع الحادث وتلافي نتائجه، وضابط التدابير المعقولة ضابط “مادي”، هو ما يفعله الناقل السوي، الذي وجد في نفس الظروف، والناقل مُلتزم باتخاذ التدابير المعقولة، ليس لمنع وقوع الحادث فقط، بل لاتقاء نتائجه، أو الحدّ من أثرها إذا كان لا بد أن تقع كما هو الحال في القوة القاهرة. 

وإذا اجتمع خطأ أو إهمال من جانب الناقل، أو مستخدميه، أو وكلائه، مع سبب آخَر في إحداث هلاك البضاعة، أو تلفها، أو تأخيرًا في تسليمها، لا يُسأل الناقل البحري إلا بقَدْر ما يُعزى الهلاك، أو التلف، أو تأخيرًا في التسليم، إلى الخطأ أو الإهمال المذكور، وبشرط أن يُثبت الناقل البحري مِقدار الهلاك، أو التلف، أو التأخير في التسليم، الذي يُعزى إلى ذلك الخطأ أو الإهمال.

 

الملخص

يتناول الموضوع المسؤولية القانونية للناقل البحري في ضوء اتفاقية هامبورغ لعام 1978 مسلطة الضوء على سعيها لتحقيق توازن عادل بين مصالح ملاك السفن والناقلين من جهة ومصالح الشاحنين والدول النامية من جهة أخرى. ويُعرّف النص الناقل والناقل الفعلي مع توضيح الالتزامات الجوهرية المفروضة عليهم مثل ضمان صلاحية السفينة للملاحة والاعتناء بالبضائع خلال مختلف مراحل الرحلة. كما تشرح المصادر حالات المسؤولية التي تشمل هلاك البضاعة أو تلفها أو التأخر في تسليمها وهو ما ميز اتفاقية هامبورغ عن سابقتها اتفاقية بروكسل. ويقوم الأساس القانوني لهذه المسؤولية على افتراض خطأ الناقل ما لم يثبت اتخاذه لكافة التدابير المعقولة والاحتياطات اللازمة لتفادي وقوع الضرر أو الحد من آثاره. ويفرق النص بين أنواع الأضرار المادية والزمنية موضحةً المعايير التي يُقاس من خلالها التقصير المهني في العقود الدولية والوطنية.

اسئلة حول مسؤولية الناقل البحري دوليًا

ما هي الاختلافات بين اتفاقية بروكسل لعام 1924م واتفاقية هامبورج لعام 1978م في تنظيم مسؤولية الناقل البحري؟

تمثل أبرز الاختلافات بين اتفاقية بروكسل لعام 1924م واتفاقية هامبورج لعام 1978م في تنظيم مسؤولية الناقل البحري في عدة جوانب جوهرية تتعلق بنطاق المسؤولية وتوازن المصالح والأساس القانوني وذلك على النحو الآتي:

تغطية حالات المسؤولية (التأخير في التسليم):

تُعد اتفاقية هامبورج أول اتفاقية تعالج حالات المسؤولية الثلاث مجتمعة، وهي: (الهلاك، والتلف، والتأخير)، في حين أن اتفاقية بروكسل لم تعالج مسؤولية الناقل في حالة التأخير في تسليم البضاعة.

توازن المصالح الدولية:

وُضعت نصوص اتفاقية هامبورج لتحقيق توازن بين مصالح الدول النامية (التي غالباً ما تكون شاحنة للبضائع ولا تملك أساطيل ضخمة) ومصالح الدول المتقدمة (التي تمتلك السفن الناقلة)، بينما كان التوجه العام في السابق يميل لتخفيف مسؤولية الناقلين.

الأساس القانوني للمسؤولية:

في اتفاقية هامبورج يُعتبر الناقل مسؤولاً عن أي حادث يقع للبضاعة (هلاك، تلف، تأخير) طالما كانت في عهدته ما لم يثبت أنه اتخذ هو ووكلاؤه كافة التدابير المعقولة لتجنب الحادث وتبعاته. وتقوم هذه المسؤولية على قرينة مفترضة ضد الناقل بمجرد إثبات المدعي للضرر والحادث.

تحديد الالتزامات الصريحة:

نصت اتفاقية بروكسل صراحةً على التزامات معينة مثل إصدار سند الشحن عند طلب الشاحن. في المقابل لم تذكر اتفاقية هامبورج التزامات الناقل صراحةً بل وضعت أحكامها بافتراض وجود هذه الالتزامات مثل الالتزام بجعل السفينة صالحة للملاحة والعناية بالبضاعة وتفريغها.

المسؤولية المشتركة:

قدمت اتفاقية هامبورج حكماً مفصلاً في حال اجتماع خطأ الناقل مع سبب آخر في إحداث الضرر حيث لا يُسأل الناقل إلا بقدر مساهمة خطئه أو إهماله في الضرر بشرط أن يثبت هو هذا المقدار.

باختصار، وسعت اتفاقية هامبورج من نطاق مسؤولية الناقل لتشمل التأخير ووضعت عبء إثبات اتخاذ “التدابير المعقولة” على عاتقه للإفلات من المسؤولية سعياً لحماية مصالح الشاحنين بشكل أكبر مما كان عليه الوضع في اتفاقية بروكسل.

كيف يمكن للناقل البحري إثبات براءته من المسؤولية عن تلف البضائع؟

وفقاً لاتفاقية هامبورج لعام 1978م الموضحة في المصادر، لا تقع على عاتق الشاحن (المدعي) سوى مهمة إثبات وقوع الضرر والحادث الذي تسبب فيه أثناء وجود البضاعة في عهدة الناقل، وعندها تقوم قرينة مفترضة بمسؤولية الناقل. ولكي يتمكن الناقل البحري من إثبات براءته وتقويض هذه القرينة للإفلات من المسؤولية يجب عليه القيام بالآتي:

إثبات اتخاذ التدابير المعقولة:

يجب على الناقل أن يثبت أنه هو أو مستخدموه أو وكلاؤه قد اتخذوا جميع ما كان من المعقول اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته.

معيار الناقل السوي:

يخضع إثبات الناقل لضابط مادي وهو إثبات أنه قام بما كان سيفعله “الناقل السوي” إذا وُجد في نفس الظروف.

اتقاء النتائج والحد من الأثر:

لا يقتصر الإثبات على محاولة منع وقوع الحادث فحسب، بل يجب على الناقل إثبات أنه اتخذ التدابير اللازمة لاتقاء نتائج الحادث أو الحد من أثرها في حال كان الحادث حتمياً كما هو الحال في ظروف القوة القاهرة.

إثبات نسبة المساهمة في الضرر:

في حال اجتماع خطأ الناقل مع سبب آخر أدى لتلف البضاعة يمكن للناقل تخفيف مسؤوليته من خلال إثبات مقدار التلف الذي يُعزى تحديداً إلى خطئه أو إهماله فقط، لكي لا يُسأل عن كامل الضرر الناتج عن الأسباب الأخرى.

باختصار، يتمحور إثبات البراءة حول نقل عبء الإثبات إلى الناقل ليؤكد التزامه ببذل العناية الواجبة واتخاذ كافة الاحتياطات المعقولة لحماية البضاعة منذ تسلمها وحتى تفريغها.

ما هي الالتزامات الجوهرية التي تقع على عاتق الناقل قبل بدء الرحلة؟

يقع على عاتق الناقل البحري التزامات جوهرية ومحددة يجب القيام بها قبل الرحلة وعند البدء فيها، وتتمثل بشكل أساسي في بذل العناية الواجبة لضمان سلامة الملاحة وهي كالآتي:

تجهيز السفينة وجعلها صالحة للملاحة:

يجب على الناقل التأكد من أن السفينة مهيأة تقنياً وفنياً لخوض الرحلة البحرية المقررة.

توفير المستلزمات البشرية والمادية:

يلتزم الناقل بتجهيز السفينة بما يلزمها من بحَّارة ومُؤَن ومعدات ضرورية لإتمام الرحلة بأمان.

الأساس القانوني لهذه الالتزامات:

على الرغم من أن اتفاقية هامبورج لعام 1978 لم تنص صراحة على هذه الالتزامات، إلا أنها وضعت أحكامها وهي تفترض وجودها كجزء لا يتجزأ من مسؤولية الناقل.

وترتبط هذه الالتزامات التمهيدية بمسؤولية الناقل اللاحقة عن سلامة البضاعة، حيث إن الإخلال بها قد يُعد تقصيراً في اتخاذ “التدابير المعقولة” التي تفرضها الاتفاقية لتجنب وقوع الحوادث.


 

المصادر:

1- أ.د. محسن شفيق، “الجديد في القواعد الدولية الخاصة بنقل البضائع بالبحر” (اتفاقية هامبورج بتاريخ 31/3/1978)، بدون تاريخ، دار النهضة العربية القاهرة، ص ع.

2- راجع المواد (8،6،5) من اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري البضائع 1978، في تفصيل ذلك أ.د. حمزة حداد “اتفاقية هامبورج 1978م لنقل البحري -العقود التي تخضع الاتفاقية بالمقارنة مع اتفاقية بروكسل 1924م مجلة دراسات مجلد 8، عدد 2 كانون الأول 1981م، بجامعة الأردنية، ص130ومابعدها.

3- أ.د محسن شفيف -المرجع السابق، ص65،64.

4- الفقرات الثلاثة الأولى من المادة الثالثة من اتفاقية بروكسل لعام 1924، حيث تم الرجوع إلى نصوصها المقابلة لسكوت اتفاقية هامبورج عن النص على ذلك.

5- الفقرة الأولى من المادة الخامسة من اتفاقية هامبورج لعام 1978، في تفضيل ذلك، أ.د. محمود سمير الشرقاوي “القانون البحري” طبعة 1993، دار النهضة العربية -القاهرة – ص 405،373،372.

6- أ.د. محسن شفيق “المرجع السابق” ص68.

7- أ.د. محسن شفيق “المرجع السابق” ص91.

8- المادة (5/7) من اتفاقية هامبورج لعام 1978.

 

Stay Connected

ابق على اتصال