كان التحكيم أحد أهم الوسائل التي يتم اللجوء إليها لحل النزاعات في الشريعة الإسلامية الحنيفة، وكانت المملكة من أوائل الدول التي تبنت نظامًا للتحكيم في المنطقة (1). حيث صدر أول نظام للتحكيم في المملكة في عام 1403هـ الموافق 1983م (2)، ثم صدر نظام التحكيم الحالي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ ونظام التنفيذ في نفس العام (3).
لذلك يندرج تنظيم بطلان أحكام التحكيم في المملكة ضمن إطار نظام التحكيم سالف الذكر، الذي استحدث نقلة نوعية في الفلسفة التشريعية من خلال تبنيه المعايير الدولية الواردة في قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي. ويُحدد النظام، في المواد من (49) إلى (53)، حالات بطلان حكم التحكيم على سبيل الحصر. كما يتكامل هذا النظام مع نظام المرافعات الشرعية واللائحة التنفيذية لنظام التحكيم، مما يعكس توجه المنظم نحو دعم التحكيم كأحد سبل حل المنازعات مع الحفاظ على الحد الأدنى من الرقابة القضائية لضمان سيادة القانون وإنزال العدالة وحماية النظام العام.
وعليه يتعين أن نتناول بطلان حكم التحكيم في النظام السعودي من خلال طرح التساؤلات التالية: هل يمثل البطلان استثناء لمبدأ نهائية أحكام التحكيم؟ ما هي حالات بطلان أحكام التحكيم في النظام السعودي؟ ما هي الآثار المترتبة على الحكم ببطلان حكم التحكيم؟
أولًا: البطلان يعد استثناء لمبدأ نهائية أحكام التحكيم
تعد أحكام التحكيم أحكامًا نهائية في كافة الأنظمة والقواعد الدولية، إذ لا تقبل أحكام التحكيم الطعن عليها بأي طريق من طرق الطعن. ويعد هذا المبدأ أحد أهم المزايا التي تدعم حجية هذه الأحكام وتجعل خيار اللجوء إلى التحكيم أكثر فعالية، إلا أنه مراعاة لاعتبارات حماية النظام العام الخاص بكل دولة أقر المشرعون والمنظمون طريق إقامة دعوى بطلان حكم التحكيم كسبيل للرقابة على أحكام التحكيم.
ولم يحد المنظم السعودي عن هذا المبدأ، حيث نص نظام التحكيم على أن أحكام التحكيم التي تصدر طبقًا لأحكام ذلك النظام لا تقبل الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن، عدا رفع دعوى بطلان حكم التحكيم (4).
ويقع رفع دعوى بطلان حكم التحكيم من أي من طرفيه خلال الستين يومًا التالية لتاريخ إبلاغ ذلك الطرف بالحكم، ولا يحول تنازل مدعي البطلان عن حقه في رفعها قبل صدور حكم التحكيم دون قبول الدعوى (5). أما إذا تنازل مدعي البطلان عن حقه في رفع دعوى البطلان بعد صدور حكم التحكيم، فلا تقبل دعوى البطلان منه (6).
ثانيًا: حالات بطلان أحكام التحكيم
نص نظام التحكيم -على سبيل الحصر- على الحالات التي يمكن إقامة دعوى بطلان حكم التحكيم عند توافرها، وهي الحالات الآتية:
1. إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو كان هذا الاتفاق باطلاً، أو قابلًا للإبطال، أو سقط بانتهاء مدته
ويعد هذا السبب أحد الأسباب المتعلقة باتفاق التحكيم، ويتضمن ذلك الاتفاق بين أطراف الدعوى على فسخ العقد كاملًا بما فيه اتفاق التحكيم، أو إذا بطل العقد الوارد به اتفاق التحكيم بطلانًا مطلقًا (7).
2. إذا كان أحد طرفي اتفاق التحكيم وقت إبرامه عديم الأهلية، أو ناقصها، وفقًا للنظام الذي يحكم أهليته
ومن ذلك صدور الموافقة على شرط أو مشارطة التحكيم من عديمي الأهلية كالمجنون أو ناقصي الأهلية مثل المحجور عليه بسبب السفه أو الإفلاس (8).
3. إذا تعذر على أحد طرفي التحكيم تقديم دفاعه بسبب عدم إبلاغه إبلاغًا صحيحًا بتعيين محكم أو بإجراءات التحكيم، أو لأي سبب آخر خارج عن إرادته
يشمل ذلك عدم إبلاغ أطراف الدعوى التحكيمية إبلاغًا واضحًا وصحيحًا بتعيين المُحكَّمين أو بإجراءات التحكيم ومواعيدها، أو عدم تقديم فرص متكافئة لأطراف الدعوى التحكيمية لتقديم دفوعهم (9).
4. إذا استبعد حكم التحكيم تطبيق أي من القواعد النظامية التي اتفق طرفا التحكيم على تطبيقها على موضوع النزاع
إذ يجب على هيئة التحكيم الالتزام بالقواعد الإجرائية والموضوعية التي يتفق عليها أطراف التحكيم والتي تسري على الدعوى التحكيمية، وعليه يمثل عدم التزام هيئة التحكيم بهذه القواعد سببًا مشروعًا لبطلان حكم التحكيم الصادر عنها.
5. إذا شُكلت هيئة التحكيم أو عُين المُحَكمون على وجه مخالف لهذا النظام، أو لاتفاق الطرفين
وهذا السبب من الأسباب المتعلقة بهيئة التحكيم، والمقصود بهيئة التحكيم المحكمون الذين يقومون بالفصل في النزاع التحكيمي وقد تتكون الهيئة من مُحكم واحد أو أكثر وفقًا لاتفاق التحكيم أو ما يقرره نظام التحكيم الوطني. ومن أمثلة تعيين هيئة التحكيم على وجه مخالف للنظام عدم حصول المحكم على المؤهل المذكور في نظام التحكيم الذي يحكم العملية التحكيمية (10).
6. إذا فصل حكم التحكيم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم
ومع ذلك إذا أمكن فصل أجزاء الحكم الخاصة بالمسائل الخاضعة للتحكيم عن أجزائه الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له، فلا يقع البطلان إلا على الأجزاء غير الخاضعة للتحكيم وحدها. ويتحقق هذا الشرط عندما يفصل محكم التحكيم في مسائل تخرج عن نطاق شرط أو مشارطة التحكيم، حيث تقتصر مهمة هيئة التحكيم على الفصل في المسائل التي اتفق أطراف التحكيم على عرضها عليها.
7. إذا لم تراع هيئة التحكيم الشروط الواجب توافرها في الحكم على نحو أثّر في مضمونه، أو استند الحكم على إجراءات تحكيم باطلة أثَّرت فيه
ومن هذه الشروط عدم صدور حكم التحكيم كتابة أو دون تسبيب، وعدم توقيعه من المحكمين أو صدور الحكم من الأقلية أو صدوره بالتساوي دون تعيين مرجح (11) (12).
8. حالات البطلان التي تقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها
تقضي المحكمة المختصة التي تنظر دعوى البطلان من تلقاء نفسها ببطلان حكم التحكيم إذا تضمن ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام في المملكة، أو ما اتفق عليه طرفا التحكيم، أو إذا وجدت أن موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها بموجب نظام التحكيم (13).
ثالثًا: الآثار المترتبة على الحكم ببطلان حكم التحكيم
من أهم الآثار المتعلقة بإقامة دعاوى بطلان أحكام التحكيم، انفصال اتفاق التحكيم عن الحكم الصادر بالبطلان، إذ لا ينقضي اتفاق التحكيم بصدور حكم المحكمة المختصة ببطلان حكم التحكيم، ما لم يكن طرفا التحكيم قد اتفقا على ذلك، أو صدر حكم نص على إبطال اتفاق التحكيم (14).
كما أنه في حالة الحكم ببطلان حكم التحكيم، يكون الحكم قابلًا للطعن عليه خلال ثلاثين يومًا من اليوم التالي للتبليغ. أما في حالة الحكم بتأييد حكم التحكيم، وجب على المحكمة المختصة أن تأمر بتنفيذه، ويكون حكمها في ذلك غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن (15).
هل تعد أحكام التحكيم نهائية؟
تعد أحكام التحكيم نهائية في كافة الأنظمة والقواعد الدولية وكذلك في النظام السعودي، حيث لا تقبل هذه الأحكام الطعن عليها بأي طريق من طرق الطعن العادية. ويُعد هذا المبدأ من الركائز الأساسية التي تمنح التحكيم فعاليته وحجيته.
وفقاً لما ورد في المصادر، فإن المنظم السعودي جعل دعوى بطلان حكم التحكيم هي الطريق الوحيد والاستثنائي للرقابة على هذه الأحكام. ويجب تقديم هذه الدعوى خلال مهلة ستين يوماً من تاريخ إبلاغ الطرف الصادر ضده الحكم.
بالإضافة إلى ذلك، تملك المحكمة المختصة صلاحية إبطال الحكم تلقائياً من تلقاء نفسها في حالات معينة، حتى لو لم يطلب الأطراف ذلك، وهي:
- إذا خالف الحكم أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام في المملكة.
- إذا خالف ما اتفق عليه طرفا التحكيم.
- إذا كان موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها بموجب النظام.
ما هي المهلة المحددة لرفع دعوى البطلان؟
حددت المهلة النظامية لرفع دعوى بطلان حكم التحكيم بـ ستين يوماً، وتبدأ هذه المدة من التاريخ الذي يتم فيه إبلاغ الطرف بالحكم.
وفقاً لما ورد في المصادر، هناك تفاصيل إضافية تتعلق بحق رفع هذه الدعوى خلال هذه المدة:
- أثر التنازل المسبق: لا يحول تنازل مدعي البطلان عن حقه في رفع الدعوى قبل صدور حكم التحكيم دون قبولها.
- أثر التنازل اللاحق: إذا تنازل الطرف عن حقه في رفع الدعوى بعد صدور حكم التحكيم، فإن دعواه لا تُقبل.
- الطعن على قرار البطلان: في حال صدر حكم من المحكمة المختصة ببطلان حكم التحكيم، فإن هذا الحكم يكون قابلاً للطعن عليه خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي للتبليغ.
ما الحالات التي حددها النظام على سبيل الحصر والتي تسمح برفع دعوى البطلان؟
حدد نظام التحكيم السعودي في المادة الخمسين منه سبع حالات حصرية تُمكّن أطراف النزاع من رفع دعوى بطلان حكم التحكيم خلال المهلة النظامية (60 يوماً)، وهي كالتالي:
- غياب أو بطلان اتفاق التحكيم: إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أصلاً، أو كان هذا الاتفاق باطلاً، أو قابلاً للإبطال، أو سقط بانتهاء مدته.
- نقص الأهلية: إذا كان أحد طرفي اتفاق التحكيم وقت إبرامه عديم الأهلية أو ناقصها وفقاً للنظام الذي يحكم أهليته (مثل المجنون أو المحجور عليه).
- تعذر تقديم الدفاع: إذا لم يتمكن أحد الطرفين من تقديم دفاعه بسبب عدم إبلاغه إبلاغاً صحيحاً بتعيين محكم أو بإجراءات التحكيم ومواعيدها، أو لأي سبب خارج عن إرادته.
- استبعاد القواعد المتفق عليها: إذا استبعد حكم التحكيم تطبيق أي من القواعد النظامية التي اتفق طرفا التحكيم على تطبيقها على موضوع النزاع.
- مخالفة تشكيل الهيئة للنظام أو الاتفاق: إذا شُكلت هيئة التحكيم أو عُين المحكمون على وجه يخالف النظام أو اتفاق الطرفين، مثل عدم توفر المؤهلات المطلوبة في المحكم.
- تجاوز حدود الاتفاق: إذا فصل الحكم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم؛ ومع ذلك، إذا أمكن فصل الأجزاء الخاصة بالمسائل الخاضعة للتحكيم عما سواها، فلا يقع البطلان إلا على الأجزاء غير الخاضعة للتحكيم.
- الإخلال بالشروط الشكلية أو الإجرائية: إذا لم تراعِ الهيئة الشروط الواجب توافرها في الحكم على نحو أثّر في مضمونه (مثل عدم التسبيب أو عدم الكتابة) أو استند الحكم على إجراءات تحكيم باطلة أثّرت فيه.
إلى جانب هذه الحالات السبع التي يرفعها الأطراف، تقضي المحكمة المختصة من تلقاء نفسها بالبطلان إذا تضمن الحكم ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، أو إذا كان موضوع النزاع مما لا يجوز التحكيم فيه.
ما أثر بطلان حكم التحكيم على “اتفاق التحكيم” نفسه؟
ميز نظام التحكيم بمبدأ استقلال شرط التحكيم، وبناءً على ذلك فإن اتفاق التحكيم ينفصل عن الحكم الصادر ببطلانه؛ حيث لا ينقضي اتفاق التحكيم ولا ينتهي بمجرد صدور حكم من المحكمة المختصة ببطلان حكم التحكيم.
ومع ذلك، أوردت المصادر حالتين استثنائيتين ينتهي فيهما اتفاق التحكيم بصدور حكم البطلان:
- إذا كان طرفا التحكيم قد اتفقا مسبقاً على انقضاء الاتفاق في حال صدور حكم ببطلان قرار التحكيم.
- إذا صدر حكم قضائي ينص صراحةً على إبطال اتفاق التحكيم ذاته (كأن يكون سبب بطلان حكم التحكيم هو بطلان الاتفاق الأصلي أو سقوطه).
وبخلاف هاتين الحالتين يظل الاتفاق قائماً ومنتجاً لآثاره مما يسمح للأطراف باللجوء للتحكيم مرة أخرى لتسوية النزاع.
الملخص
يوضح المصدر التطور التشريعي للتحكيم في المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى تبنيها معايير دولية حديثة توازن بين سرعة الفصل في النزاعات والرقابة القضائية. ويركز النص بشكل أساسي على دعوى بطلان حكم التحكيم باعتبارها الوسيلة القانونية الوحيدة للطعن، حيث يتم استعراض الحالات التي حددها النظام على سبيل الحصر. تشمل هذه الحالات غياب الأهلية القانونية، أو بطلان اتفاق التحكيم، أو الإخلال بحقوق الدفاع، بالإضافة إلى مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام. كما يبين النص المدد الزمنية والإجراءات المتبعة لرفع هذه الدعوى والآثار المترتبة على الحكم الصادر فيها. وأخيراً، يؤكد المصدر أن اتفاق التحكيم يظل قائماً حتى في حال بطلان الحكم، ما لم يتم إبطال الاتفاق ذاته صراحة.
المصادر:
- عبد الحميد الأهدب، التحكيم في الدول العربية، Kluwer، الطبعة الثانية 1999، ص 13.
- نظام التحكيم الملغي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/46 بتاريخ 12/7/1403هجريا الموافق 25/4/1983م.
- نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) بتاريخ 24/5/1433هجريا الموافق 16/4/2012م، ونظام التنفيذ الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/53) بتاريخ 13/8/1433هجريا الموافق 3/7/2012م.
- المادة (49) من نظام التحكيم.
- الفقرة الأولى من المادة (51) من نظام التحكيم.
- المادة (18) من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم الصادرة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (541) بتاريخ 26/8/1438هجريا.
- الأستاذ الدكتور سعد الذيابي والدكتور علاء الدين عيد عطا، التحكيم التجاري (الوسائل البديلة لفض المنازعات في المملكة العربية السعودية) مع دراسة تحليلية لأحكام قضائية مختارة، دار الكتاب الجامعي، الرياض، الطبعة الأولى عام 1444هجريا، 2023م، ص 245.
- الدكتور تركي بن عبد الله بن عقيل الطيار، أحكام أسباب بطلان حكم التحكيم في نظام التحكيم السعودي (دراسة تطبيقية مقارنة بالفقه الإسلامي)، مجلة الدراسات العربية، المجلد 52 العدد 3 الصادر في شهر يونيو 2025، ص 1233.
- الشيخ عبد الله بن محمد آل خنين، التفهيم في شرح نظام التحكيم، دار الحضارة، الرياض، الطبعة الأولى، عام 1441هجريا 2020م، ص 292-293.
- الشيخ عبد الله بن محمد آل خنين، التفهيم في شرح نظام التحكيم، دار الحضارة، الرياض، الطبعة الأولى، عام 1441هجريا 2020م، ص 291.
- الفقرة الأولى من المادة (50) من نظام التحكيم.
- الفقرة الأولى من المادة (42) من نظام التحكيم.
- الفقرة الثانية من المادة (50) من نظام التحكيم.
- الفقرة الثالثة من المادة (50) من نظام التحكيم.
- الفقرة الثانية من المادة (51) من نظام التحكيم.