على خلفية العولمة وظلالها واثارها وما استتبع ذلك من انفتاح العلاقات الدولية في مجال الاقتصاد والمال والتجارة بين دول ذات انظمة سياسية واقتصادية وقانونية مختلفة وبدفع التطور التكنولوجي وما افرزه من انماط حديثة في التعاملات كان من الضروري ايجاد قواعد مشتركة تستوعب هذا التباين في الانظمة والتشريعات كما كان لزاما خلق مؤسسات يلجا اليها الاطراف لحسم النزاعات الناشئة في سوق تعاملاتهم لذلك نشات الحاجة الي التحكيم الموسسي الدولي والذي من اهم مؤسساته المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.
يعتبر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار(ICSID)، كيانًا دوليًّا يتولى مهمة تسوية منازعات الاستثمار، بعيدًا عن تأثيرات السيادة والعلاقات الدبلوماسية المتشابكة، فمنذ تأسيسه تحت مظلة البنك الدولي عام 1966، بناءً على اتفاقية واشنطن لعام 1965، لم يقتصر دوره على مجرد فض النزاعات، بل تجاوزه إلى خلق بيئة من الثقة المتبادلة بين الدول والمستثمرين، وقد أصبح المركز مرآة تعكس تحولات الاقتصاد العالمي وتطلعاته. (1)
تشكيل المركز وطبيعته:
يتكون المركز من جهازين رئيسيين: المجلس الإداري، والسكرتارية. (2)
- المجلس الإداري:
يتكون المجلس الإداري من ممثل واحد عن كل دولة عضو في المركز؛ حيث تملك كل دولة صوتًا واحدًا بشأن اتخاذ القرارات في المركز. (3)
ويقوم المجلس باعتماد قواعد التحكيم، والتوفيق، والوساطة، وتقصي الحقائق الخاصة بالمركز، كما يعتمد الميزانية السنوية، ويقر التقرير السنوي للمركز، وينتخب الأمين العام ونواب الأمين العام، وتحدد كل دولة الأشخاص الذين ترشحهم لعضوية قائمة المحكمين والموفقين. (4)
- السكرتارية:
يرأس هذا الجهاز الأمين العام للمركز، ويعاونه نائب أو أكثر، إلى جانب موظفيّ المركز. (5)
يعتبر الأمين العام الممثل القانوني والمسؤول الرئيس للمركز؛ فهو المسؤول عن إدارة المركز بشكل عام، بما في ذلك تعيين الموظفين، كما يؤدي الأمين العام مهام المسجل للمركز، ويملك صلاحية التصديق على أحكام التحكيم الصادرة عن المركز. (6)
وتقدم السكرتارية الدعم الفني والإداري لإجراءات تسوية المنازعات بالمركز، كما تقدم التدريب والمساعدة الفنية للدول والعامة، وتساهم في تطوير قانون الاستثمار من خلال النشر والتوعية. (7)
اختصاص المركز:
تنص اتفاقية واشنطن، على امتداد ولاية المركز إلى أي نزاع قانوني ينشأ مباشرة عن استثمار بين دولة متعاقدة، أو أي قسم أو وكالة تابعة لدولة متعاقدة، تعيّنها تلك الدولة للمركز، ومواطن من دولة متعاقدة أخرى، يوافق طرفا النزاع على إحالته إلى المركز. (8)
ويشمل مفهوم المواطن: الأشخاص الطبيعيين الحاملين لجنسية إحدى الدول الأعضاء في الاتفاقية، وكذلك الأشخاص الاعتباريين: كالشركات، والجهات الحاملة لجنسية إحدى الدول الأعضاء. (9)
تشكيل هيئات التحكيم بالمركز:
يتم تقديم طلب اللجوء إلى التحكيم إلى الأمين العام للمركز، على أن يشمل الطلب الوقائع والدفوع القانونية في الدعوى، والمسائل المتنازع عليها، وهوية الأطراف، وموافقة الأطراف على التحكيم وفقًا لقواعد الإجراءات الخاصة بإقامة دعاوى التوفيق والتحكيم. (10)
وبمجرد تقديم الطلب؛ يتم تسجيل القضية، ما لم يخرج النزاع عن نطاق اختصاص المركز.(11)
ويتم إنشاء هيئة التحكيم في أقرب وقت ممكن، بعد تسجيل طلب اللجوء إلى التحكيم، على أن تتألف هيئة التحكيم من محكِّم واحد، أو أي عدد فردي من المحكِّمين، يقوم أطراف الدعوى بالاتفاق عليهم، وفي حال عدم الاتفاق على عدد المحكمين وطريقة تعيينهم؛ تتكون هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين، يعين كل طرف من طرفيِّ الدعوى محكَّمًا، على أن يتم اختيار المحكم الرئيس من قبل الطرفين. (12)
دور المركز في نظام تسوية منازعات الاستثمار:
تنص المادة الثانية من اتفاقية واشنطن (الإكسيد)، على أن الغرض الرئيس من إنشاء المركز، هو توفير الخدمات والتسهيلات، الخاصة بالتوفيق والتحكيم في المنازعات الاستثمارية بين الدول المتعاقدة، ومواطني الدول المتعاقدة الأخرى. (13) وعليه كان الغرض الرئيسي للمركز منذ إنشائه، المساهمة بفعالية في نظام تسوية منازعات الاستثمار الدولي.
وقد ساهم المركز في تطوير نظام تسوية منازعات الاستثمار من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
- السوابق القضائية:
ساهم المركز من خلال أحكام التحكيم الثرية التي أصدرتها هيئات التحكيم بالمركز، في تفسير مفاهيم مثل “الاستثمار”، و”المعاملة العادلة والمنصفة”، و”نزع الملكية”؛ مما أعطى نظام تسوية منازعات الاستثمار مرونة ووضوحًا متزايدًا.
- تحديث إجراءات تسوية المنازعات:
يقود المركز عملية تحديث إجراءات تسوية المنازعات، خاصة عبر تعديلات عامي 2006 و2022، التي ركزت على تعزيز الشفافية، ونشر الأحكام والقرارات، ومشاركة الأطراف غير المباشرة، وخفض التكاليف وزمن التقاضي؛ من خلال إجراءات مسرعة، وإدارة فعالة للقضايا، وتقديم آليات متنوعة مثل الوساطة والتوفيق.
- الاستجابة للتحديات المعاصرة:
ساهم المركز في الاستجابة للتحديات المعاصرة، مثل تضارب مصادر التمويل من الأطراف الثلاثة، وضمان توازن المصالح بين الدول والمستثمرين، والعمل على زيادة تنوع المحكِّمين، ووضع مدونات سلوك مهنية.
كما ينشط المركز في مجال التدريب الفني للدول والمستثمرين، ومواصلة دوره كمرجعية قانونية دولية، وذلك في ظل حاجة العالم المتزايدة إلى بيئة استثمارية مستقلة؛ لمواجهة التحديات العالمية، كالتغيُّر المُناخي، وأزمات الطاقة والغذاء. (14)
أسئلة هامة عن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار:
– ما هو دور المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في علاقات الاستثمار الدولية ؟
يتمثل دور المركز في فض المنازعات و خلق بيئة من الثقة المتبادلة بين الدول والمستثمرين على نهج يعكس تحولات الاقتصاد العالمي وتطلعاته.
– ما هي اسهامات المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المعاصرة؟
ساهم المركز من خلال أحكام التحكيم الثرية التي أصدرتها هيئات التحكيم بالمركز، في تفسير مفاهيم مثل “الاستثمار”، و”المعاملة العادلة والمنصفة”، و”نزع الملكية”؛ مما أعطى نظام تسوية منازعات الاستثمار مرونة ووضوحًا متزايدًا.
كما ساهم المركز في الاستجابة للتحديات المعاصرة مثل تضارب مصادر التمويل من الأطراف الثلاثة وضمان توازن المصالح بين الدول والمستثمرين والعمل على زيادة تنوع المحكِّمين ووضع مدونات سلوك مهنية.
– ما هي كيفية تشكيل هيئة التحكيم في المركز وما هي الشروط اللازمة لقبول القضايا؟
يتم تقديم طلب اللجوء إلى التحكيم إلى الأمين العام للمركز، على أن يشمل الطلب الوقائع والدفوع القانونية في الدعوى، والمسائل المتنازع عليها، وهوية الأطراف، وموافقة الأطراف على التحكيم وفقًا لقواعد الإجراءات الخاصة بإقامة دعاوى التوفيق والتحكيم.
ويتم إنشاء هيئة التحكيم في أقرب وقت ممكن، بعد تسجيل طلب اللجوء إلى التحكيم على أن تتألف هيئة التحكيم من محكِّم واحد أو أي عدد فردي من المحكِّمين و يقوم أطراف الدعوى بالاتفاق عليهم وفي حال عدم الاتفاق على عدد المحكمين وطريقة تعيينهم تتكون هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين يعين كل طرف من طرفيِّ الدعوى محكَّمًا على أن يتم اختيار المحكم الرئيس من قبل الطرفين.
الخلاصة :
يتمثل دور المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في استقرار الاقتصاد العالمي عبر فض النزاعات بين الدول والمستثمرين الأجانب. الهيكل التنظيمي للمركز يتمثل في المجلس الإداري والسكرتارية و تنحصرً مهامهما الإدارية والقانونية في تسيير إجراءات التحكيم والوساطة. يحدد الموضوع نطاق اختصاص المركز والشروط القانونية اللازمة لقبول القضايا، بالإضافة إلى كيفية تشكيل هيئات التحكيم التي تتولى الفصل في الخصومات, كما يوضح إسهامات المركز في تطوير القانون الدولي من خلال تحديث الإجراءات وتعزيز مبادئ الشفافية لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية المعاصرة. و يؤكد الموضوع على أهمية هذه المؤسسة في بناء الثقة المتبادلة وتوفير بيئة استثمارية مستقلة بعيدة عن التجاذبات السياسية.
المصادر:
- التعريف بالمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، الموقع الرسمي للمركز <About ICSID | ICSID>.
- المادة (3) من اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى (اتفاقية الإكسيد)، المبرمة في واشنطن في عام 1965.
- الفقرة الأولى من المادة (4) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- الفقرة الأولى من المادة (6) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- المادة (9) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- المادة (11) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- تقديم المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار 2023، الناشر موقع Jus Mundi <Introducing ICSID (International Centre for Settlement of Investment Disputes)>.
- الفقرة الأولى من المادة (25) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- الفقرة الثانية من المادة (25) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- الفقرتان الأولى والثانية من المادة (36) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- تقديم المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار 2023، ص 6.
- الفقرة الثانية من المادة (37) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- الفقرة الثانية من المادة (2) من اتفاقية واشنطن 1965 (الإكسيد).
- ميج كينير، دور مركز (الإكسيد) في القانون الاقتصادي الدولي، بحث منشور في مجلة القانون الدولي الاقتصادي، مجلد (26) العدد (1)، المنشور بموقع OXFORD Academic، بتاريخ 12 يناير 2023 < Role of ICSID in International Economic Law | Journal of International Economic Law | Oxford Academic>.