الرئيسية - التحكيم وتسوية المنازعات - المصالحة في المعاملات التجارية

المصالحة في المعاملات التجارية

فرض التطور الاقتصادي والتكنولوجي الذي يشهده العالم في الآونةِ الأخيرة انفتاحًا لعالم المال والأعمال، وأدَّى إلى ظهور معاملاتٍ تجاريةٍ جديدةٍ تتسم بالتعقيد والتشعب، وقد تمخَّض عن ذلك ظهور منازعات دفعت إلى ضرورة إيجاد حلولٍ ووسائلَ وديةٍ لإنهائها بسرعةٍ ومرونةٍ؛ وذلك لتوفير المناخ المناسب لتشجيع التجارة والاستثمار، وإرساء ثقافة التفاوض من أجل مجابهة عولمة الاقتصاد (1).

وقد اهتمَّ المنظِّم السعودي بوضع القواعد القانونية والإجراءات التي تكفل للتاجر التوصل إلى حلٍّ سريعٍ، يضمن له الحصول على حقوقه دون انتظار فصل القضاء في الموضوع، فخصَّص في اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادرة بموجب قرار وزير العدل رقم (8344) بتاريخ 26/10/1441هـ، الفصل الحادي عشر، الموادَّ من (57) إلى (64) لتوضيح إجراءات المُصالحة والوساطة، التي من شأنها تحقيق العدالة الناجزة، وتخفيف العبء على الجهات القضائية والمتقاضين، فضلًا عن اعتبارها أداةً لتحقيق التوازن بين حقوق الأطراف، والمصالح الاقتصادية، وتحقيق التنمية الاقتصادية؛ بوصفها هدفًا من أهداف رؤية المملكة 2030.

مفهوم المصالحة:

ورد تعريف المصالحة في المادة الأولى من قواعد العمل في مكاتب المصالحة، وإجراءاته الصادرة بالقرار الوزاري رقم (53792) بتاريخ 27/7/1435هـ، بأنها: “وسيلةٌ رضائيةٌ لتسوية المنازعات، تتولاها مكاتبُ مصالحةٍ للوصول إلى صلحٍ كلي أو جزئي”، ويمكن تعريفها كذلك بأنها: “وسيلةٌ رضائيةٌ لتسوية المنازعات، سواء كانت عن طريق المحكمة أو مكاتب المصالحة أو الأطراف، وسواء أكان الصلح جزئيًّا أم كليًّا”.

إجراءات المصالحة قبل قيد الدعوى:

بدايةً، أحالت اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية –في حال عدم ورود نصٍّ خاصٍّ في النظام أو لائحته التنفيذية، وإذا لم يتفق الأطراف على إجراءاتٍ خاصةٍ– ما يتعلق بالمصالحة والوساطة في المنازعات التجارية، إلى قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته (2)

وقد تتم المصالحة قبل قيد الدعوى باتفاق الأطراف، وهُنا يتعيَّن على الأطراف اللجوء إلى مركز المصالحة المُنشَأ بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (103) بتاريخ 8/4/1434هـ، والتابع لوزارة العدل؛ حيث يقومان بتقديم طلب مصالحة وفق النموذج المعتمد، ويُقيَّد طلب المصالحة يومَ إحالته ويُعطى رقمًا يُميِّزه.

ويُحيل مدير مكتب المصالحة المختص –أو مَن يُفوِّضه– طلب المصالحة إلى المصلحين من منسوبي الوزارة، أو إلى المصلحين المسجَّلين، آخذًا في الاعتبار المصلحة والتعليمات التي يصدرها المركز في هذا الشأن، ومُراعيًا رغبة الأطراف ما أمكن (3).

الخطوة التالية هي أن يتم تحديد موعد الجلسات وحضورها، وإجراءات جلسة المصالحة على النحو المبيَّن في المواد أرقام (14، 15، 16) من قواعد العمل، في مكاتب المصالحة وإجراءاته. فإذا انتهت المصالحة بصُلحٍ كاملٍ، حرَّر المصلح محضرَ صلحٍ، وفقًا لأحكام الفصل الخامس من القواعد.

الدعاوى والأحوال التي يجب فيها سبق اللجوء للمصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى:

أ- المنازعات التي تنشأ عن عقود المشاركة غير المنصوص عليها في نظام المعاملات المدنية (4).

ب- المنازعات التي تنشأ بين التجار بسبب أعمالهم التجارية الأصلية أو التبعية، إذا كانت قيمة المطالبة الأصلية لا تزيد على مليون ريال (5),

جـ- الدعاوى المقامة على التاجر في منازعات العقود التجارية، متى كانت قيمة المطالبة الأصلية في الدعوى لا تزيد على مليون ريال (6).

د- الدعاوى التي يكون أطرافها زوجين، أو تربطهم صلة قرابة إلى الدرجة الرابعة(7).

هـ– الدعاوى المتعلقة بالعقود التي تتضمن الاتفاق –كتابةً- على اللجوء إلى المصالحة والوساطة، والتسوية الودية قبل اللجوء إلى القضاء (8).

كيفية إثبات سبق اللجوء للمصالحة قبل قيد الدعوى:

تُجيب المادة (59/1) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية عن كيفية إثبات سَبْق اللجوء إلى المصالحة قبل قيد الدعوى، فتنص على أنه: “يتحقق سبق اللجوء إلى المصالحة بتقديم وثيقةٍ بانتهاء المصالحة بغير صُلحٍ أو بصُلحٍ في بعض المنازعات، أو تقديم ما يثبت البدء في إجراءات المصالحة، على ألا تزيد مدة تلك الإجراءات على (ثلاثين) يومًا من تاريخ البدء فيها، ما لم تتفق الأطراف على مُدةٍ أطول، ولا يَحُول قيد الدعوى دون استمرار عملية المصالحة والوساطة”.

وحال عدم إثبات سبق اللجوء إلى المصالحة قبل قيد الدعوى، تُقرِّر الإدارة عدم قيد الدعوى؛ لعدم الاستيفاء، وعلى طالب القيد استيفاء ما نقص خلال (خمسة عشر) يومًا من تاريخ إبلاغه بذلك، فإن قُيِّدت الدعوى بعد الاستيفاء، عُدَّت مقيدةً من تاريخ تقديم طلب القيد، وإن لم يستوفِ ما طُلب منه خلال هذه المدة، عُدَّ الطلب كأنَّه لم يكن، ويجب على الإدارة إثبات تاريخ تقديم طلب القيد في جميع الأحوال (9).

إجراءات المصالحة بعد قيد الدعوى:

 يجوز أن يتفق الأطراف على المصالحة بعد قيد الدعوى، وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى، وفي هذه الحالة تُحيل المحكمة الأطراف إلى مركز المصالحة والوساطة، على أن يثبِت القاضي ذلك في محضر الجلسة (10)، كما يجوز عقد أكثر من جلسة للمصالحة، على ألّا تزيد على ثلاث جلسات، وألا تتجاوز المدة من وقت بدء الإجراءات على ثلاثين يومًا، ويستثنى من ذلك:

1) المنازعات التي ينص مكتبُ المصالحة فيها على مُدَدٍ أطول.

2) المنازعات الأخرى عند موافقة مدير مكتب المصالحة على التمديد؛ بناءً على سبب يبيِّنه المصلح (11).

      وإذا توصّل الأطراف إلى المصالحة أو التسوية بعد قيد القضية، أُثْبِتَ ما اتفقوا عليه في محضرِ صُلحٍ، يوقَّع من الخصوم ومن الموظف المختَص، ويُذيَّل بالصيغة التنفيذية (12)، ويُعَدُّ محضرُ الجلسة المعتمَدُ سَنَدًا تنفيذيًّا، وتُسلَّم صورته وفقًا لإجراءات تسليم الأحكام، وتُعَدُّ الدعوى منقضية بذلك (13).

وقد تتم المصالحة بسَنَدٍ تنفيذي، وفي هذه الحالة يجب على الأطراف تزويد المحكمة بصورة منه؛ حيث تُعَدُّ الدعوى مُنقضية بتقديمه (14). كما قد تتم المصالحة من خلال تقديم أحد الأطراف عرض تسوية -سواء كان مُزمَّنًا بأجل محدد، أو غير مزمَّنٍ- للطرف الآخَر، مع احتفاظ الطرف المُقدِّمِ للعرض بحقِّه في سحب عرضه في أي وقت، وإذا قَبِل الطرفُ الآخَرُ العرضَ قبل سحبه، يُعَدُّ محضر الجلسة المعتمَد لهذه المصالحة سَندًا تنفيذيًّا، وتُسلَّم صورته وفقًا لإجراءات تسليم الأحكام، وتُعَدُّ الدعوى منقضية بذلك (15).

 

الملخص

يستعرض الموضوع نظام المصالحة والوساطة في المعاملات التجارية داخل المملكة العربية السعودية مبرزةً دورها كأداة ودية وفعالة لتسوية النزاعات بعيدًا عن التعقيد القضائي. ويوضح الإجراءات القانونية المتبعة سواء قبل قيد الدعوى أو أثنائها مع تحديد الحالات التي تفرض اللجوء الإلزامي للصلح لضمان سرعة استرداد الحقوق. كما تركز المادة على دور مكاتب المصالحة التابعة لوزارة العدل في صياغة محاضر الصلح التي تُعد سندات تنفيذية ملزمة تنهي الخصومة. ويهدف هذا الإطار التنظيمي إلى دعم الاستثمار وتخفيف العبء عن المحاكم بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. تبرز المصادر أيضًا كيف توازن هذه الوسائل بين المصالح الاقتصادية وتحقيق العدالة الناجزة من خلال مرونة التفاوض والاتفاق بين الأطراف.

اسئلة حول المصالحة في المعاملات التجارية

ما هي الحالات التي يلزم فيها القانون السعودي بالصلح قبل المحاكمة؟

حدد المنظم السعودي حالات يجب فيها سبق اللجوء للمصالحة والوساطة قبل قيد الدعوى وهي كالتالي:

المنازعات الناشئة عن عقود المشاركة:

وهي العقود التي لم ينص عليها في نظام المعاملات المدنية.

المنازعات بين التجار:

التي تنشأ بسبب أعمالهم التجارية سواء كانت أصلية أو تبعية وذلك في حال كانت قيمة المطالبة الأصلية لا تزيد على مليون ريال.

الدعاوى المقامة على التاجر:

في منازعات العقود التجارية بشرط ألا تتجاوز قيمة المطالبة الأصلية في الدعوى مليون ريال.

الدعاوى الأسرية والقرابة:

وهي الدعاوى التي يكون أطرافها زوجين أو تربطهم صلة قرابة حتى الدرجة الرابعة.

وجود اتفاق كتابي سابق:

في حال تضمن العقد بين الأطراف اتفاقاً مكتوباً على اللجوء للمصالحة والوساطة والتسوية الودية قبل التوجه للقضاء.

إجراءات إثبات اللجوء للمصالحة والتبعات القانونية:

يتم إثبات اللجوء للمصالحة عبر تقديم وثيقة بانتهاء المصالحة (سواء بصلح أو بدونه) أو ما يثبت البدء في إجراءاتها على ألا تتجاوز مدة هذه الإجراءات 30 يوماً ما لم يتفق الأطراف على مدة أطول.

وفي حال عدم إثبات سبق اللجوء للمصالحة في الحالات المذكورة أعلاه فإن الإدارة المختصة تقرر عدم قيد الدعوى لعدم الاستيفاء ويُمنح طالب القيد مهلة 15 يوماً لاستيفاء هذا المتطلب وإلا عُدَّ الطلب كأن لم يكن.

ما الاجراءات المتبعة لتحويل محضر الصلح الى سند تنفيذي؟

توثيق الاتفاق:

عند توصل الأطراف إلى صلح أو تسوية (سواء كان ذلك قبل قيد الدعوى أو بعدها) يتم إثبات ما اتفقوا عليه في محضر صلح.

التوقيع الرسمي:

يجب أن يتم التوقيع على محضر الصلح من قبل الأطراف (الخصوم) ومن الموظف المختص.

التذييل بالصيغة التنفيذية:

لكي يكتسب المحضر صفته القانونية كسند نافذ يتم تذييله بالصيغة التنفيذية.

الاعتماد كسند تنفيذي:

بمجرد استكمال التوقيعات والتذييل بالصيغة التنفيذية يُعد محضر الجلسة المعتمد سنداً تنفيذياً.

تسليم المحضر:

تُسلّم صورة المحضر للأطراف وفقاً للإجراءات المتبعة في تسليم الأحكام القضائية وبذلك تنقضي الدعوى.

كما أشارت المصادر إلى حالة خاصة تتعلق بعروض التسوية، فإذا قدم أحد الأطراف عرضاً وقبله الطرف الآخر قبل سحبه فإن محضر الجلسة المعتمد لهذه المصالحة يُعد سنداً تنفيذياً ويُسلّم بذات إجراءات تسليم الأحكام. وفي حال تمت المصالحة بوجود سند تنفيذي مسبق يكتفى بتزويد المحكمة بصورة منه لإنهاء الدعوى.


 

 

المصادر:

  1. لبنة عوين، وأحمد حسين، الصلح في المنازعات التجارية وفقًا للقانون 22-13 المعدل والمتمم لقانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري، بحث منشور بمجلة القانون والمجتمع والسلطة، المجلد (13)، العدد (2) سبتمبر 2024.
  2. م (57) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.
  3. م (13) فقرة (2 ،3 ،4) من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته الصادرة بالقرار الوزاري رقم 53792 بتاريخ 27 /7 / 1435 هـ.
  4. المادة (16 /3) من نظام المحاكم التجارية الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم 93 وتاريخ 15/ 8 / 1441 هـ؛ المعدلة بموجب نظام المحاكم التجارية الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم 93 وتاريخ 15/ 8 / 1441 هـ.
  5. م (11 / أ) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ
  6. م (58 /ج) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ
  7. م (58 /د) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.
  8. م (58 /هـ) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ
  9. م (59 /2) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ
  10. م (60) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.
  11. م (7) من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته الصادرة بالقرار الوزاري رقم 53792 بتاريخ 27 /7 / 1435 هـ.
  12. م (61) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.
  13. م (29 /2) من نظام المحاكم التجارية الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم 93 وتاريخ 15/8 / 1441 هـ؛ المعدلة بموجب نظام المحاكم التجارية الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم 93 وتاريخ 15/8 / 1441 هـ.
  14. م (62) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.
  15. م (64) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية الصادر بقرار وزير العدل رقم 8344 بتاريخ 26/10/ 1441هـ.

 

Stay Connected

ابق على اتصال