الاعتماد المستندي الإلكتروني

أدى تقدم التكنولوجيا في السنوات الأخيرة إلى تطوير مفهوم التجارة بشكل عام؛ كونه أسهم في تسهيل عملية تبادل البضائع، وتفادي تأخير استلام مستندات الشحن؛ حيث يُعَدُّ استبدال المستندات الورقية بأخرى إلكترونية من أبرز التغيرات التي عززت تسريع الإجراءات وقللت التكاليف، وأضافت ميزة التبادل الإلكتروني للبيانات، والتي تساهم بدورها في حل المشاكل الناجمة عن وصول البضائع قبل وصول المستندات، ويعتبر الاعتماد المستندي الإلكتروني، من العمليات المصرفية المؤثرة على تنمية النشاط التجاري والاقتصادي، إضافة إلى كونها وسيلة ناجعة لسداد المدفوعات الدولية (1)

وقد بدأت فكرة الاعتماد المستندي الإلكتروني منذ أكثر من 30 عامًا، عندما قامت لجنة فرنسية باعتماد عدد من الأبحاث، تعالج المشاكل القانونية التي تتعلق باستخدام الحاسبات الآلية في العلاقات التجارية الدولية، وكانت هذه اللجنة، تهتم بتبسيط إجراءات التجارة الدولية بالنسبة لمستندات الشحن البحري والتوقيع عليها، ويمكن أن يتم عن طريق استخدام التوقيع الرقمي، وهذا ما يتطلب تعديل القوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية (2)

وفي المملكة العربية السعودية؛ يجد تطبيق الاعتماد المستندي الإلكتروني سنده، في القواعد الموحدة للاعتماد المستندي، الصادرة عن الغرفة التجارية بموجب النشرة رقم (600) لسنة 2007، وكذا القواعد التي أرستها لجنة المنازعات المصرفية.

وبالنظر إلى نظام التجارة الإلكترونية السعودي الصادر عام 1440هـ، يظهر الاعتراف بتقديم المصارف خدماتها إلكترونيًا، وتم تعريف المحل التجاري بأنه: المنصة الإلكترونية التي تتيح لموفر الخدمة عرض منتج أو بيعه، أو تقديم خدمة، أو الإعلان عنها، أو تبادل البيانات الخاصة بها، كما اعترفت الأنظمة في المملكة بالسجلات الإلكترونية، وذلك من خلال نظام التعاملات الإلكترونية لعام 1428ه، الذي أعطى القيمة القانونية للسجلات الإلكترونية، وعرَّف السجل الإلكتروني، بأنه: البيانات التي تنشأ، أو ترسل، أو تسلم، أو تبث، أو تحفظ بوسيلة إلكترونية قابلة للاسترجاع، أو الحصول عليها بشكل يمكن فهمها (3)

المقصود بالاعتماد المستندي الإلكتروني: 

لم يتناول المنظم تعريف الاعتماد المستندي الإلكتروني في النظام التجاري (نظام المحكمة التجارية) (4)، إلا أنه يمكن استخلاص تعريف الاعتماد المستندي، من واقع تعريف المستند الإلكتروني الوارد بملحق قواعد الأصول والأعراف الدولية الموحدة، نشرة (600) لسنة 2007، حيث ورد في المادة 3 ( الفقرةI B/) “بأنه بيانات أنشئت، واستخرجت، وأرسلت، وتم إبلاغها واستلمت، أو خزنت بوسيلة إلكترونية، ويمكن توثيقها من هوية مرسلها الظاهرة ومصدر محتوياتها الظاهر؛ طالما ظلت كاملة وغير معدلة، ويمكن فحصها لمطابقتها لشروط وأحكام الملحق”؛ بينما عرَّفت المادة الثانية من قانون الأونسيترال النموذجي للتوقيعات الإلكترونية لعام 2001 “رسالة بيانات”، بأنها: “المعلومات التي يتم إنشاؤها، أو استلامها وتخزينها بوسائل إلكترونية أو ضوئية، أو بوسائل مشابهة؛ بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، تبادل البيانات إلكترونيًا، أو بالبريد الإلكتروني، أو التلكس، أو النسخ البرقي” (5)، ولقد سُمِّي الاعتماد المستندي الإلكتروني بهذا الاسم، نظرًا لاستناده إلى مجموعة واجبة التقديم لتنفيذه، وكلمة إلكتروني تشير إلى أن هذا الاعتماد يعالج بواسطة وسائط إلكترونية (6) .

وقد تناول الفقه تعريف الاعتماد المستندي الإلكتروني؛ فمنهم من عرَّفه بأنه: “الاعتماد الذي يستخدم الوسائل الإلكترونية كبديل للطرق التقليدية، سواء في الاتصال بين الأطراف، أو الإخطار بخطاب الاعتماد، وإصدار وتداول المحررات وفحصها وسداد قيمتها ” (7) كما عرَّفه البعض الآخر بأنه: “خدمة مصرفية من نوع خاص، تتضمن اتفاقًا بين المصرف والعميل الآمر، والذي على أساسه يصدر المصرف إيجابًا ملزمًا موجهًا إلى المستفيد؛ حيث يلتزم الأخير بتقديم المستندات الإلكترونية” (8). في حين عرَّفه البعض الآخر- أيضًا- بأنه: “الاعتماد المستندي الإلكتروني هو خدمة مصرفية إلكترونية، يتعاقد بمقتضاها المصرف والعميل الآمر، على إلزام المصرف بالوفاء الإلكتروني للمستفيد، مقابل تقديم الأخير المستندات الإلكترونية المطلوبة، وعلى العميل الآمر الإلزام بدفع العمولة والمصاريف والقواعد الإلكترونية ” (9)

الإيجاب والقبول في الاعتماد المستندي الإلكتروني: 

يُعَدُّ كل اتصال عن بُعْد، يتضمن كافة العناصر اللازمة إيجابًا إلكترونيًا، وفقًا للتوجيه الأوربي المتعلق بحماية المستهلك في التعاقد عن بُعْد؛ بحيث يستطيع المرسل إليه قبول التعاقد مباشرة (10)، ومن ثم، فلا يُعَدُّ تقديم طلب فتح الاعتماد على موقع البنك الإلكتروني إيجابًا، إنما حال قبوله بواسطة البنك؛ فإنه يقدم إيجابًا مفصلًا في شكل شروط عقد الاعتماد المستندي، ومتى تمت موافقة العميل على شروطه، ينعقد عقد الاعتماد المستندي بينه وبين المصرف لصالح المستفيد (11).

ولم يشترط المنظم السعودي، طريقة محددة للتعبير من خلالها عن القبول، فيجوز التعبير عن القبول في التعاقد الإلكتروني بأي وسيلة إلكترونية، وهذا ما أفصحت عنه المادة العاشرة من نظام التعاملات الإلكترونية؛ حيث نصت على أنه: “1-يجوز التعبير عن الإيجاب والقبول في العقود بوساطة التعامل الإلكتروني، ويعد العقد صحيحًا وقابلًا للتنفيذ متى تم وفقًا لأحكام هذا النظام.” 

الالتزامات التي تترتب على الاعتماد المستندي الإلكتروني:

  • التزامات المصرف تجاه العميل الآمر (المشتري): 
  1. تنفيذ العملية وفقًا لتعليماته، بوضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف المستفيد، وذلك من خلال التحويل الإلكتروني لمبلغ الاعتماد للمستفيد. 
  2. فحص ومطابقة المستندات التي حددها العميل. 
  3. التزام المصرف بنقل المستندات للعميل الآمر، طبقًا للقرار رقم 409/1421هـ، الصادر من لجان المنازعات والمخالفات المصرفية والتمويلية (13)(14)
  •  التزام العميل الآمر تجاه المصرف: 
  1. التزام العميل الآمر بأن يدفع للمصرف، قيمة الاعتماد والمصروفات في الميعاد المحدد بعقد فتح الاعتماد، وبالشروط المتفق عليها.
  2. التزام العميل الآمر باستلام المستندات الممثلة للبضاعة.
  3. التزام العميل الآمر بدفع العمولة، بمجرد إبرام عقد الاعتماد المستندي. 
  •  التزام المصرف قبل المستفيد: 
  1. الالتزام بإرسال خطاب الاعتماد. 
  2.  الالتزام بدفع قيمة المستندات بعد استلامها. 
  •  التزام المستفيد تجاه المصرف:
  1. تنفيذ شروط الاعتماد المستندي. 
  2. تقديم المستندات. 

 


الخلاصة :

ان الاعتماد المستندي الإلكتروني كتحول تقني معاصر في القطاع المصرفي يهدف إلى تسهيل التجارة الدولية وخفض نفقاتها عبر استبدال الأوراق التقليدية بسجلات رقمية. يعدد الموضوع الأطر القانونية والتعريفات الفقهية التي تنظم هذه العملية، مع التركيز بشكل خاص على الأنظمة السعودية مثل نظام التعاملات الإلكترونية ونظام التجارة الإلكترونية. كما يوضح كيفية انعقاد الإيجاب والقبول عبر الوسائط الرقمية، بما يضمن حقوق الأطراف المختلفة وموثوقية التعاملات. ويورد الموضوع الالتزامات المتبادلة بين المصارف والعملاء والمستفيدين بما يبرز دور التقنية في تسريع وتيرة العمليات المالية. يشير الموضوع الى أهمية تطوير القوانين المحلية لتتواكب مع المعايير الدولية والاتفاقيات العالمية المنظمة للمجال التجاري.


اسئلة هامة حول الاعتماد المستندي الإلكتروني

كيف يساهم الاعتماد المستندي الإلكتروني في التجارة الدولية؟

أسهم في تسهيل عملية تبادل البضائع وتفادي تأخير استلام مستندات الشحن حيث يُعَدُّ استبدال المستندات الورقية بأخرى إلكترونية من أبرز التغيرات التي عززت تسريع الإجراءات وقللت التكاليف وأضافت ميزة التبادل الإلكتروني للبيانات والتي تساهم بدورها في حل المشاكل الناجمة عن وصول البضائع قبل وصول المستندات ويعتبر الاعتماد المستندي الإلكتروني من العمليات المصرفية المؤثرة على تنمية النشاط التجاري والاقتصادي إضافة إلى كونها وسيلة ناجعة لسداد المدفوعات الدولية.

ما هي الالتزامات المتبادلة بين البنك والعميل في عقد الاعتماد الإلكتروني؟

أ- التزامات المصرف تجاه العميل الآمر (المشتري):

  1. تنفيذ العملية وفقًا لتعليماته، بوضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف المستفيد، وذلك من خلال التحويل الإلكتروني لمبلغ الاعتماد للمستفيد.
  2. فحص ومطابقة المستندات التي حددها العميل.
  3. التزام المصرف بنقل المستندات للعميل الآمر، طبقًا للقرار رقم 409/1421هـ، الصادر من لجان المنازعات والمخالفات المصرفية والتمويلية.

ب- التزامات العميل الآمر تجاه المصرف

  1. التزام العميل الآمر بأن يدفع للمصرف قيمة الاعتماد والمصروفات في الميعاد المحدد بعقد فتح الاعتماد وبالشروط المتفق عليها.
  2. التزام العميل الآمر باستلام المستندات الممثلة للبضاعة
  3. التزام العميل الآمر بدفع العمولة، بمجرد إبرام عقد الاعتماد المستندي.


 

المصادر: 

1-د. باسم علوان طعمة العقابي، نبال رويس حمزة، مخاطر الاعتماد المستندي الإلكتروني، ص 29 منشور على موقع معاينة مخاطر الاعتماد المستندي الإلكتروني تاريخ الدخول 23/ 12/ 2025 الساعة 5.48 مساء. 

2-د. عصام فايد محمد، مسئولية البنك عن المستندات في الاعتماد المستندي، طبعة دار النهضة، 2015، ص 457. 

3- د. عزة علي محمد الحسن – النظام القانوني للاعتماد المستندي الإلكتروني في المملكة العربية السعودية، ص 1634، بحث منشور في Microsoft Word – 36.doc تاريخ الدخول 27 /12/ 2025 الساعة 11.15 مساءً. 

4-النظام التجاري (نظام المحكمة التجارية) الصادر بمقتضى المرسوم الملكي رقم (م/2) بتاريخ 15 /1/ 1390 هـ. 

5- قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية لعام 2001 منشور على موقع ml-elecsig-a.pdf تاريخ الدخول 28 /12 / 2025 الساعة 5.53 مساءً. 

6- د. ليندا عبد الله، جريمة تبييض الأموال بواسطة الاعتماد المستندي الإلكتروني، جيل البحث العلمي، تلمسان، طرابلس 2007، ص 176. 

7- د. عصام فايد محمد، مسئولية البنك عن المستندات في الاعتماد المستندي، ص 461. 

8-د. حسن الخطاب، الاعتماد المستندي الإلكتروني محاولة في التأصيل، مجلة القضاء التجاري، 2014، ص92.

9-د. باسم علوان طعمة العقابي، نبال رويس حمزة، مخاطر الاعتماد المستندي الإلكتروني، ص 32 منشور على موقع معاينة مخاطر الاعتماد المستندي الإلكتروني. تاريخ الدخول 28/ 12/ 2025 الساعة 6.32 مساء. 

10- المادة الثامنة من التوجيه الأوربي رقم EC/97/7 المتعلق بحماية المستهلك في التعاقد . على موقعDirective 2011/83/EU of the European Parliament and of the Council of 25 October 2011 on consumer rights, amending Council Directive 93/13/EEC and Directive 1999/44/EC of the European Parliament and of the Council and repealing Council Directive 85/577/EEC and Directive 97/7/EC of the European Parliament and of the Council (Text with EEA relevance) تاريخ الدخول اليوم 29/12/2025 الساعة 3.30 عصرًا. 

 11- د. عزة علي محمد الحسن – النظام القانوني للاعتماد المستندي الإلكتروني في المملكة العربية السعودية، المرجع سالف الذكر ص 1650. 

12– د. عزة علي محمد الحسن – النظام القانوني للاعتماد المستندي الإلكتروني في المملكة العربية السعودية، المرجع سالف الذكر ص 1651. 

13- للقرار رقم 409 / 1421 هـ الصادر من لجان المنازعات والمخالفات المصرفية والتمويلية المنشور على موقع: ………………

14- وقد تم بموجب الأمر السامي رقم (۷۲۹/ ۸) وتاريخ ۱۰ / ۰۷ / ۱٤۰۷هـ، الذي تضمن تشكيل لجنة تسوية المنازعات المصرفية من ذوي التخصص؛ لدراسة القضايا بين البنوك وعملائها، من أجل تسوية الخلافات وإيجاد الحلول المناسبة بين الطرفين، طبقًا للاتفاقيات الموقعة بينهما. ثم تلى ذلك صدور الأمر الملكي رقم (۳۷٤٤۱) وتاريخ ۱۱ / ۰۸ / ۱٤۳۳هـ الذي تضمن في البند (أولاً) تعديل اسم (لجنة تسوية المنازعات المصرفية) ليصبح (لجنة المنازعات المصرفية).

Stay Connected

ابق على اتصال