يشكّل التركز الاقتصادي أحد المفاهيم المحورية في سياسة حماية المنافسة بالمملكة العربية السعودية، وتحظى إشكالية التركز الاقتصادي بمعالجة مفصّلة في نظام المنافسة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/75) وتاريخ 29/6/1440هـ، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة العامة للمنافسة رقم (337) وتاريخ 25/1/1441هـ، وكذلك الضوابط الصادرة عن الهيئة، الجهة المختصة بتطبيق تلك الأنظمة واللوائح، ورقابة التركزات الاقتصادية في السوق.
تعريف التركز الاقتصادي وآثاره:
يعرف التركز الاقتصادي بأنه: “كل عمل ينشأ منه نقل كُلِّي، أو جزئي لملكية أصول، أو حقوق، أو أسهم، أو حصص، أو التزامات منشأة إلى منشأة أخرى، أو الجمع بين إدارتين أو أكثر في إدارة مشتركة، وذلك وفقًا لما تحدده اللائحة من ضوابط ومعايير”. (1)
ويؤدي التركز الاقتصادي إلى زيادة مساحة سيطرة منشأة، أو عدة منشآت على السوق، وذلك على حساب كيان أو عدة كيانات أخرى، بناءً على ضوابط ومعايير محددة.
ويعرف التركز الاقتصادي في قانون التجارة الفرنسي؛ من خلال الوسائل التي يتحقق بها هذا التركز، وذلك من خلال: الاندماج بين مشروعين أو أكثر، أو من خلال استحواذ شخص أو أكثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على مشروع أو أكثر للتحكم أو السيطرة عليه، وكذلك في حالة إنشاء مشروع مشترك يقوم بمهام وحدة اقتصادية مستقلة. (2)
وبذلك، قد يؤدي التركز الاقتصادي إلى وضع مهيمن لمنشأة أو أكثر، ويمكن ألا يؤدي التركز الاقتصادي إلى وضع مهيمن، ويحيلنا ذلك إلى تعريف الوضع المهيمن، الذي يُعرَّف بأنه: “وضع تكون من خلاله المنشأة -أو مجموعة منشآت- مسيطرة على نسبة معينة من السوق المعنية التي تمارس نشاطها فيها، أو قادرة على التأثير فيها، أو بهما معًا”. (3)
ويتبين من التعريفات السابقة، أن حالات التركز الاقتصادي التي يتعين مراقبتها والتحقق منها هي تلك التي تؤدي إلى وضع مهيمن، بناءً على عدة مؤشرات، من أهمها: مقدار حصة المنشأة في السوق، وإنشاء العوائق لدخول المنافسين إلى السوق (مثل براءات الاختراع، والتراخيص، وندرة المواد الأولية) وانخفاض مرونة العرض والطلب؛ بحيث تقل أو تنعدم البدائل الملائمة للمنتج، أو الخدمة التي تؤديها المنشأة. (5)
الهيئة المعنية بالتحقق من حالات التركز الاقتصادي:
تختص الهيئة العامة للمنافسة في المملكة، بالتحقق من حالات التركز الاقتصادي، للحفاظ على فاعلية المنافسة العادلة، وتشجيعها في أسواق المملكة، وذلك من خلال تقييم عدة عوامل، عند فحص ودراسة التركز الاقتصادي، وهي واحد أو أكثر من العوامل التالية:
- هياكل الأسواق المعنية، ومستوى المنافسة الفعلية أو المحتملة بين المنشآت داخل المملكة أو خارجها، متى كانت مؤثرة في أسواقها.
- المراكز المالية لأطراف التركز الاقتصادي.
- بدائل السلع المتاحة للمستهلكين والموردين والعملاء، ومدى سهولة حصولهم عليها.
- مستوى تميُّز السلع.
- مصالح المستهلكين ورفاهيتهم.
- التأثير المحتمل للتركز الاقتصادي على مستوى الأسعار، أو الجودة، أو التنويع، أو الابتكار، أو التطوير في السوق المعنية.
- المنافع أو الأضرار المتحققة أو المحتملة الناتجة عن المنافسة من عملية التركز الاقتصادي.
- نمو العرض والطلب، واتجاهاتهما في السوق والسلع المعنية.
- عوائق الدخول والخروج للمنشآت في السوق المعنية، أو الاستمرار، أو التوسع، بما في ذلك العوائق التنظيمية.
- مدى احتمال أن يؤدي التركز الاقتصادي إلى خلقٍ أو تعزيزِ قوةٍ سوقيةٍ مؤثرة، أو وضع مهيمن للمنشأة -أو مجموعة منشآت- في أي سوقٍ من الأسواق المعنية.
- المستوى والتوجهات التاريخية للممارسات المخلة بالمنافسة في السوق المعنية، سواء أكانت لأطراف التركز الاقتصادي أو للمنشآت المؤثرة في هذا السوق.
- مرئيات العموم والأطراف ذات العلاقة بالتركز الاقتصادي، ومنظمي القطاعات.(6)
سلطات الهيئة العامة للمنافسة بشأن التحقق من التركز الاقتصادي:
تملك الهيئة العامة للمنافسة، سلطات واسعة للتحقق من حالات التركز الاقتصادي في السوق، سواء تقدمت المنشآت المعنية بالإبلاغ عن وجود تركز اقتصادي أو لم تتقدم، وتتمثل هذه السلطات فيما يلي:
- سلطات الهيئة بشأن جمع البيانات والمعلومات والمستندات:
للهيئة طلب البيانات، والمعلومات، والمستندات اللازمة من أطراف التركز الاقتصادي والأطراف ذات العلاقة. وللهيئة كذلك قبول: البيانات، والمعلومات، والمستندات التي تقدم من أي طرف، ودراستها وتحليلها. (7)
- سلطات الهيئة بشأن زيارة أطراف التركز الاقتصادي:
للهيئة تكليف موظفين مختصين؛ للقيام بأعمال الاستقصاء والزيارات اللازمة؛ لغرض دراسة التركز الاقتصادي، ومن ذلك ما يأتي:
- زيارة أطراف التركز الاقتصادي في مقرات العمل وأوقاته المعتادة، والاطلاع على الوثائق والملفات والبيانات والمستندات لديها، والحصول على صور منها، ومقابلة منسوبي تلك المنشآت وتسجيل الإفادات.
- زيارة الأطراف ذات العلاقة بالتركز الاقتصادي، والمنشآت العاملة في السوق المعنية، وتسجيل الإفادات؛ لجمع المعلومات، ودراسة الجوانب الفنية في السوق، وتقييم نشاطها ومستوى المنافسة فيها. (8)
- سلطات الهيئة حول مرئيات العموم:
للهيئة دعوة العموم لإبداء مرئياتهم، بشأن إحدى حالات التركز الاقتصادي؛ من خلال نشر معلوماته الأساسية في أي وسيلة إعلامية مناسبة، وتحدد الهيئة عند النشر، مدة استقبال المرئيات لكل حالة على حدة، وللهيئة تقدير ملاءمتها، والاستناد إليها عند دراسة التركز الاقتصادي. (9)
- إصدار القرار في شأن التركز الاقتصادي:
يقوم مجلس إدارة الهيئة بإصدار قراره في شأن التركز الاقتصادي، بالموافقة على عملية التركز أو الموافقة المشروطة أو رفضها، وذلك خلال مدة لا تتجاوز (90) يومًا من تاريخ إشعار تقديم الإبلاغ باكتماله، ويتعين أن يكون القرار الصادر – في شأن التركز الاقتصادي- بالموافقة المشروطة أو بالرفض مُسبَّبًا، أما إذا انقضت المدة النظامية سالفة الذكر، دون أن تُبلِّغ الهيئة مقدم الإبلاغ بقرار مجلس الإدارة أو تعلنه للعموم، عُدَّ ذلك بمنزلة الموافقة. كما أن لمجلس الإدارة أن يحدد صلاحية القرار ونطاقه الجغرافي عند الحاجة. (10)
الخلاصة
يتناول الموضوع مفهوم التركز الاقتصادي وأطره النظامية في المملكة العربية السعودية، موضحا أنه يتمثل في أي إجراء ينتج عنه نقل للملكية أو السيطرة أو دمج الإدارات بين المنشآت. ويتولى نظام المنافسة ولائحته التنفيذية تنظيم هذه العمليات لضمان عدم نشوء وضع مهيمن يضر بالسوق عبر رفع الأسعار أو وضع عوائق أمام المنافسين الجدد. كما يوضح الدور الجوهري للهيئة العامة للمنافسة في الرقابة والتحقق حيث تملك صلاحيات واسعة لجمع البيانات وفحص الملفات وإجراء الزيارات الميدانية لتقييم أثر التركز على رفاهية المستهلك وتنتهي العملية بإصدار الهيئة قراراً مسبباً سواء بالموافقة أو الرفض أو القبول المشروط لضمان استمرارية المنافسة العادلة في الأسواق المحلية.
اسئلة حول التركز الاقتصادي:
ما هو مفهوم التركز الاقتصادي وكيف يتحقق في الأسواق؟
التركز الاقتصادي في الأنظمة السعودية هو “كل عمل ينشأ منه نقل كلي أو جزئي لملكية أصول أو حقوق أو أسهم أو حصص أو التزامات من منشأة إلى منشأة أخرى أو الجمع بين إدارتين أو أكثر في إدارة مشتركة”. ويؤدي هذا التركز إلى زيادة مساحة سيطرة منشأة أو عدة منشآت على السوق على حساب كيانات أخرى.
أما عن كيفية تحققه في الأسواق السعودية فإنه يتم من خلال الوسائل التالية:
• الاندماج: بين مشروعين أو أكثر.
• الاستحواذ: من خلال سيطرة شخص أو أكثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مشروع أو أكثر للتحكم فيه.
• المشاريع المشتركة: إنشاء مشروع مشترك يقوم بمهام وحدة اقتصادية مستقلة.
ويخضع التركز الاقتصادي في المملكة لرقابة الهيئة العامة للمنافسة التي تتحقق من هذه الحالات لضمان عدم نشوء وضع مهيمن يضر بالمنافسة العادلة. ويتحقق ذلك إجرائياً عبر عدة خطوات وعوامل تشمل:
1. الإبلاغ والرقابة: تملك الهيئة سلطات واسعة للتحقق من حالات التركز، سواء أبلغت المنشآت عنها أو لم تبلغ، ولها الحق في جمع البيانات والقيام بزيارات ميدانية ومعاينة الوثائق .
2. التقييم الفني: تقوم الهيئة بدراسة عدة عوامل لتقييم أثر التركز منها هياكل الأسواق المعنية والمراكز المالية للأطراف وبدائل السلع المتاحة والتأثير المحتمل على الأسعار والجودة وعوائق دخول منافسين جدد للسوق .
3. صدور القرار: يصدر مجلس إدارة الهيئة قراره خلال مدة لا تتجاوز (90) يوماً من تاريخ اكتمال الإبلاغ ويكون القرار إما بالموافقة أو الموافقة المشروطة أو الرفض المسبب.
الهدف النهائي من هذه العملية هو التأكد من أن التركز الاقتصادي لن يؤدي إلى تعزيز قوة سوقية تؤثر سلباً على مصالح المستهلكين ورفاهيتهم أو تضع عوائق تمنع الابتكار والتطوير في السوق السعودي .
ما هي العوامل التي تعتمدها هيئة المنافسة لتقييم التركز؟
تعتمد الهيئة العامة للمنافسة في المملكة العربية السعودية على مجموعة شاملة من العوامل الفنية والاقتصادية لتقييم وفحص حالات التركز الاقتصادي وذلك لضمان الحفاظ على فاعلية المنافسة العادلة. وتشمل هذه العوامل واحدًا أو أكثر مما يلي:
• هيكل السوق والمنافسة: دراسة هياكل الأسواق المعنية ومستوى المنافسة الفعلية أو المحتملة بين المنشآت داخل المملكة أو خارجها إذا كانت مؤثرة في السوق المحلي.
• الوضع المالي والأداء: تقييم المراكز المالية لأطراف عملية التركز الاقتصادي.
• خيارات المستهلكين: مدى توفر بدائل السلع للمستهلكين والموردين وسهولة الحصول عليها بالإضافة إلى مستوى تميز السلع في السوق.
• رفاهية المستهلك والسوق: قياس مدى تأثير التركز على مصالح المستهلكين ورفاهيتهم والتأثير المحتمل على الأسعار الجودة التنويع الابتكار أو التطوير في السوق المعنية.
• تحليل العرض والطلب: دراسة نمو واتجاهات العرض والطلب في السوق والسلع المعنية وتقييم المنافع أو الأضرار المحتملة الناتجة عن عملية التركز.
• عوائق السوق: فحص عوائق الدخول والخروج للمنشآت أو عوائق الاستمرار والتوسع بما في ذلك العوائق التنظيمية.
كما تملك الهيئة في سبيل هذا التقييم سلطات واسعة لجمع البيانات وطلب المستندات والقيام بزيارات ميدانية لمقرات المنشآت للاطلاع على الوثائق وتسجيل الإفادات لضمان دقة التقييم
كيف يتم اتخاذ القرار بشأن طلبات التركز ؟
يتم اتخاذ القرار بشأن طلبات التركز الاقتصادي في المملكة العربية السعودية من قبل مجلس إدارة الهيئة العامة للمنافسة وذلك وفق الإجراءات والمدد الزمنية التالية:
المدة الزمنية للقرار: يصدر مجلس الإدارة قراره خلال مدة لا تتجاوز (90) يوماً من تاريخ إشعار مقدم الطلب باكتمال ملف الإبلاغ.
أنواع القرارات الصادرة: يتخذ المجلس أحد ثلاثة قرارات محتملة:
- الموافقة على عملية التركز الاقتصادي.
- الموافقة المشروطة وفي هذه الحالة يجب أن يكون القرار مسبباً
- رفض عملية التركز ويجب أن يكون قرار الرفض أيضاً مسببا.
تصدر هذه القرارات على اساس تقييم دقيق تقوم به الهيئة مستخدمةً سلطاتها في جمع البيانات وإجراء الزيارات الميدانية ودراسة أثر التركز على هيكل السوق ورفاهية المستهلك لضمان استمرارية المنافسة العادلة .
المصادر:
- المادة الأولى من نظام المنافسة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/75) وتاريخ 29/6/1440هـ.
- عبد العزيز بن سعد الدغيثر. أسس النظر في التركز في ضوء أحكام نظام المنافسة. بدون طبعة، ص12.
- المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة الصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة العامة للمنافسة رقم 337 وتاريخ 25/1/1441هـ.
- أمل محمد شلبي. الحد من آليات الاحتكار (منع الإغراق والاحتكار من الوجهة القانونية). دار الجامعة الجديدة 2006م، ص 111-114.
- المادة (22) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة.
- المادة (19) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة.
- المادة (20) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة.
- المادة (21) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة.
- المادة (23) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسة.