يمثل دليل الأونسيترال بشأن تيسير حصول المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة على الائتمان، أداةً تشريعية وسياسية مهمة، تهدف إلى معالجة الفجوة التمويلية التي تواجه هذه المنشآت، والتي تنتج – في أغلب الأحيان – عن بعض القيود التمويلية، وعدم قدرة هذه المنشآت على استيفاء شروط منح القروض لها.
ويُقدّم دليل الأونسيترال إطارًا شاملًا للإصلاحات القانونية والتنظيمية، التي يمكن للدول تبنِّيها؛ لتعزيز قدرة هذه المنشآت على الوصول إلى الائتمان، وفق أسس ومعايير تتسم بالعدل والاستدامة.
مصادر الائتمان ورأس المال المتاحة:
- الدعم المُقدَّم من الأصدقاء والأسرة: يتميز هذا النوع من التمويل بسهولة الوصول إليه، وعدم حاجة الأصدقاء والأسرة -في أغلب الأحيان- إلى الحصول على ضمانات رهنية، أو الاطلاع على خطط المنشأة، بالإضافة إلى مرونة شروط التمويل، وتيسير طرق السداد مقارنة بالائتمان التجاري (1).
- الائتمان التجاري: ويقصد به القروض المصرفية المضمونة وغير المضمونة، وكذلك القروض المقدَّمة من مؤسسات مالية أخرى كصناديق الاستثمار، والتي تواجه المنشآت صعوبات كبيرة في الحصول عليها؛ نظرًا لافتقار هذه المنشآت للضمانات الرهنية الكافية للحصول على القروض. و يستعرض الدليل الفئات المنقولة التي يمكن أن تمثل ضمانات للجهات المقرِضة، ومنها: المجوهرات، والأثاث، والأجهزة المنزلية؛ باعتبارها دليلًا على نية صاحب المنشأة الصغيرة سدادَ القروض، وليس باعتبارها مصدرًا فعليًا لاستيفاء الدَّيْن (2).
- التمويل الجماعي: هو جمع المال عن طريق عدد كبير من الأفراد، بأنْ يُقدِّم كل شخص منهم مبلغًا صغيرًا من المال، وعادة ما يتم ذلك عن طريق منصة إلكترونية تديرها شركة تكنولوجيا مالية (3).
- الإيجار: يتيح الإيجار التشغيلي أو الإيجار التمويلي، التمويل المطلوب مقابل استخدام بعض المعدات أو الآلات، وتحمُّل ما ينشأ عن استخدامها من التزامات مثل الصيانة، مع وجود خيار شراء هذه المعدات في نهاية مدة الإيجار (4).
- التمويل بضمان المستحقات أو إيصالات المستودعات: يكون التمويل في هذه الحالة بضمان سلع أو خدمات، أو مقابل بيع مباشر لهذه السلع بسعر مخفَّض. ويمكن أن تحصل المنشآت الصغيرة التي لديها عملاء ذوي جدارة ائتمانية، على قروض بشروط أفضل من القروض المصرفية (5).
ويمكن أن تستخدم الإيصالات الممنوحة من المستودعات، مقابل إيداع سلع أو منقولات تضمن التمويل المقدَّم إلى المنشأة (6).
- الائتمان متناهي الصِّغر: يستعرض دليل الأونسيترال إمكانية تقديم قروض صغيرة أقل رسمية، ولا تتضمن اتفاقات مكتوبة إلى المنشآت الصغيرة، فيمكن أن يضمنه أحد أفراد المجتمع المحلي الذي ينتمي إليه المقترض أو صاحب المنشأة الصغيرة (7).
- المؤسسات المالية العمومية: تحرص بعض الدول على وجود مؤسسات مالية، تقدِّم تمويلًا أو خدمات مالية بشكل عام إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الائتمان، ومنها: المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، ومصارف التنمية التي تنشئها الحكومات في بعض الأحيان بالشراكة مع مؤسسات أو بنوك تنمية دولية(8).
- التمويل الإسلامي: قد يَمنح التمويل الإسلامي الذي يحظر دفع الفوائد على القروض، فرصةً للمنشآت الصغيرة للحصول على التمويل، وذلك عن طريق تقديم ضمانات أخرى مقابل الأموال المقترَضة، ومنها: التشارك في الربح الناتج عن مشروع المنشأة، أو المشاركة المباشرة في نتائج المعاملات (9).
تدابير تيسير الحصول على الائتمان:
يتناول هذا الجزء من دليل الأونسيترال مجموعة من الآليات التشريعية والتنظيمية، التي تهدف إلى تخفيف العوائق النظامية، التي تعترض سبيل حصول المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة على التمويل الائتماني.
كما يقدم هذا الجزء تحليلًا لتلك الآليات، مصحوبًا بتوصيات عملية، حول كيفية تصميمها وتنفيذها بشكل فعّال؛ لتحقيق النتائج المرجوة، وذلك على النحو التالي:
- المساواة في الحصول على الائتمان:
يُعَدُّ منح جميع المقترضين فرصًا متساوية للحصول على الائتمان، وعدم التمييز بينهم على أساس اللون، أو الجنس، أو الدِّين، قاعدة أساسية يتعين تحققها قبل الشروع في أي إصلاحات في هذا الشأن. ولا تندرج تحت بند عدم المساواة المعاملة التفضيلية التي تمنحها بعض الأنظمة الوطنية لمواطني الدولة، والتي تستند إلى اعتبارات المصلحة العامة، مثل: دعم للاقتصاد، والابتكار المحلي، وتوفير الوظائف للمواطنين (10).
- الإطار القانوني لحصول المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة على الائتمان:
أورد دليل الأونسيترال عِدة توصيات؛ لتعزيز حصول المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة على الائتمان، أهمها ما يلي:
- إضفاء الطابع الرسمي على المنشآت:
قد يكون عمل بعض المنشآت الصغيرة في إطار الاقتصاد غير الرسمي -أي غير المرئي من قِبل السلطات المختصة- سببًا أساسيًا في عدم قدرتها على الحصول على تمويل. وفي بعض الدول، تكون عملية تحوُّل هذه المنشآت إلى الطابع الرسمي مكلفة ومجهدة؛ لذا يمكن اللجوء إلى قواعد مُبسّطة تسهل عملية انتقال هذه المنشآت إلى الاقتصاد الرسمي، وذلك من خلال التركيز على سهولة إنشاء المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، وتسجيلها وتكوين سجل تجاري مبسَّط لا يؤثر على اليقين القانوني في إنشائها، ومن خلال التركيز على تسهيل تنظيم عمل هذه المنشآت وحماية حقوقها، عن طريق تبنِّي دليل الأونسيترال التشريعي بشأن المنشآت المحدودة المسئولية (11).
- تطوير نظام المعاملات المضمونة:
تركز هذه التوصية على ضرورة صياغة الأنظمة واللوائح، بشكل يسهِّل من قدرة الدائن على تسييل الضمانات التي تقدمها المنشآت الصغيرة مقابل الحصول على قروض؛ وذلك للحد من مخاطر الائتمان. ويتم ذلك عن طريق استخدام المنقولات بوصفها ضمانة رهنية عند الإقراض، من خلال نظام معاملات ميَّسر، وكذلك استخدام الموجودات غير المنقولة كضمان. ومن أهم تطبيقاتها، المنشآت الصغيرة العاملة في المجال الزراعي، التي تواجه صعوبات في استخدام أراضي مملوكة لها، لكنها لا تمتلك سند ملكية رسمي لها كضمان للائتمان (12).
ج- الضمانات الشخصية:
عرَّف دليل الأونسيترال الضمان الشخصي بأنه: “وَعْد من طرف ثالث بالوفاء بالتزامات المدين تجاه الدائن”. وتدعم الضمانات الشخصية الممولين في تقديم الائتمان إلى المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة بشروط أكثر موائمة لتلك المنشآت (بفائدة أقل أو فترات سداد أطول)، وكذلك في حالة عدم توافر ضمانات كافية لدى هذه المنشآت لضمان القرض الممنوح لها (13).
كما يؤكد الدليل على ضرورة وضع تنظيم لحماية الضامنين الذين يفتقرون إلى الخبرة (مثل: أفراد الأسرة والأصدقاء)، بالإضافة إلى توفير اليقين لجميع أطراف الاتفاق، وذلك عن طريق تقديم المعلومات الكافية عن المنشأة، وشروط الضمان، و جميع المخاطر القانونية إلى الضامنين المفتقرين إلى الخبرة. ويضرب دليل الأونسيترال مثلا على ذلك، طريقة معاملة بعض قوانين الإفلاس لطلبات أفراد الأسرة تجاه المنشآت الصغيرة، باعتبارها أدنى مرتبة من مطالبات الفئات الأخرى (14).
د- أنظمة ضمان الائتمان العمومية:
أصدرت بعض الدول أنظمة ضمان الائتمان الممنوح للمنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، عن طريق ضمان السداد الجزئي أو الكامل للقرض، مقابل رسوم تدفعها المؤسسة الضامنة، أو المنشأة، أو كلتاهما. وقد تكون المؤسسة الضامنة هي الدولة، أو قد تكون مبادرات دولية ثنائية أو متعددة الأطراف، أو جهة تابعة للقطاع الخاص، كالرابطات المهنية أو الصناعية، وأخيرًا يمكن أن تكون الجهة الضامنة مؤسسة تديرها المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة ذاتها (15).
ه- تقييم الجدارة الائتمانية للمنشآت:
يوصي دليل الأونسيترال بإتاحة المعلومات المالية عن المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، على المستويين المحلي والدولي، وتطوير نظم إعداد التقارير الائتمانية عن هذه المنشآت، واستخدام البيانات البديلة مثل البصمات الرقمية (16).
و- حل المنازعات:
يشجع دليل الأونسيترال على استخدام آليات غير قضائية لتسوية المنازعات بين المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، والممولين، مثل: الوساطة المصرفية، وأمناء المظالم المالية. كما يدعو الدليل إلى تبسيط الإجراءات القضائية، من خلال محاكم أو دوائر تُنْشَأ للمطالبات الصغيرة (17).
ز- الإنفاذ:
يتعين على الدول تيسير إجراءات الإنفاذ؛ لتقليل الوقت والتكلفة على الممولين، وضمان وجود آليات فعّالة لاسترداد المبالغ غير المسددة. (18)
ح- دعم المنشآت التي تمر بضائقة مالية:
يدعم دليل الأونسيترال تبنِّي إجراءات استباقية للإنذار المبكر بالمشكلات المالية، بالإضافة إلى توفير آليات واقعية لإعادة هيكلة المنشآت المتعثرة خارج إطار قوانين الإعسار (الإفلاس)، مع إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي أو البيانات الضخمة؛ للتقليل من تكاليف إعادة الهيكلة، بما يتماشى مع دليل الأونسيترال التشريعي لقانون الإعسار (الإفلاس)(19).
المصادر:
- دليل الأونسيترال بشأن تيسير حصول المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة لعام 2023، ص 8.
- دليل الأونسترال، ص 9.
- دليل الأونسترال، ص 11.
- دليل الأونسترال، ص 14،13.
- دليل الأونسترال، ص 15.
- دليل الأونسترال، ص 16.
- دليل الأونسترال، ص 19،18.
- دليل الأونسترال، ص 20،19.
- دليل الأونسترال، ص 21،20.
- دليل الأونسترال، ص 24.
- دليل الأونسترال، ص 26-29.
- دليل الأونسترال، ص 29-35.
- دليل الأونسترال، ص 39.
- دليل الأونسترال، ص 40-42.
- دليل الأونسترال، ص 44-45.
- دليل الأونسترال، ص 49-54.
- دليل الأونسترال، ص 54-57.
- دليل الأونسترال، ص 58.
- دليل الأونسترال، ص 59-61.