يعتبر مصطلح حوكمة الشركات Corporate governance من المصطلحات الاقتصادية حديثة العهد، التي ظهرت نتيجة ما شهده العالم في السنوات الأخيرة من أزمات مالية، الأمر الذي جعل المنظمات الدولية تهتم بحوكمة الشركات، مثل لجنة كادبوري التي أنشئت عام 1992 في المملكة المتحدة، وكذا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD التي وضعت مبادئ الحوكمة عام 1999، وكذلك صدور قانون ساربينز أوكسلي عام 2002(3) ؛ ما دعا دول العالم أيضًا إلى البحث عن نظام قانوني يحمي أموال المستثمرين، ويحد من مخاطر انهيار تلك الشركات.
يستند نظام حوكمة الشركات في تطبيقه إلى عدة مبادئ أساسية، تتمثل في الإفصاح، والشفافية، والمساءلة، والمسؤولية، والعدالة؛ وذلك لإحكام الرقابة على الكيانات الاقتصادية والشركات الكبرى، من خلال فصل الملكية عن الإدارة، الأمر الذي يحقق التوازن المقبول بين مصالح جميع الأطراف المرتبطة بالشركة، وهو ما ينعكس على كفاءة الشركات والأسواق المالية(3)، وقد حرص المنظم السعودي على وضع ضوابط حوكمة الشركات التجارية في نظام الشركات الجديد، الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/ 132) بتاريخ 1/12/1443 هـ، وكذا لائحة حوكمة الشركات الصادرة بموجب قرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 8-16- 2017 بتاريخ 16/5/1438 ه، بناءً على نظام الشركات الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/3) بتاريخ 28/1/1437هـ، المعدل بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 8-5-2023 بتاريخ 25/6/1444 ه.
المقصود بالحوكمة:
هي قواعد لقيادة الشركة وتوجيهها، تشتمل على آليات لتنظيم العلاقات المختلفة بين مجلس الإدارة، والمديرين التنفيذيين، وأصحاب المصالح، وذلك بوضع قواعد إجراءات خاصة؛ لتسهيل عملية اتخاذ القرار، وإضفاء طابع الشفافية والمصداقية عليها، بغرض حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، وتحقيق العدالة التنافسية والشفافية في السوق وبيئة الأعمال.
بينما عرَّفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “الحوكمة” بأنها: “مجموعة من العلاقات التي تنظم إطار العمل بين إدارة الشركة التنفيذية ومجلس إدارتها والمساهمين فيها والأطراف ذات العلاقة ” (4)
أهمية الحوكمة وأهدافها:
تتجلى أهمية الحوكمة، في كونها من أهم الإصلاحات في الساحة التجارية؛ لحماية الشركاء والمستثمرين، وتنظيم التنافس بين الكيانات العملاقة، ومساعدة الشركات المحلية على جذب المزيد من رؤوس الأموال؛ مما يعطيها القدرة على المنافسة، والنمو، والاستمرار، خاصة في ظل النجاح الكبير الذي حققته منظمة التجارة الدولية، في خفض الحواجز وإزالتها أمام حرية التجارة، دون إغفال أصحاب المصالح الأخرى (6).
وتهدف حوكمة الشركات إلى:
1-العمل على تدعيم عناصر الشفافية، وكافة المعاملات والعمليات الخاصة بالشركة، وإجراءات المراجعة والمحاسبة المالية.
2-العمل على تحسين وتطوير إدارة الشركة ومساعدة المديرين ومجلس الإدارة، لبناء استراتيجية قوية لاتخاذ قرارات الدمج والسيطرة.
3-الرقابة على الأداء وتحسين الكفاءة الاقتصادية للشركات.
4-عدم الخلط بين المهام والمسؤوليات الخاصة بالمديرين التنفيذيين ومهام مجلس الإدارة.
5 – تيسير حصول الشركات على التمويل وبتكلفة أقل من الاستدانة (7).
6- زيادة جذب الاستثمارات والشراكات الأجنبية.
7- احترام وحماية حقوق أصحاب المصالح.
ضمان وجود أساس لإطار فعال لحوكمة الشركات:
يحدد بوضوح توزيع المسؤوليات بين مختلف الجهات، ويكون ذلك من خلال توافر اللوائح الخاصة بضبط الأداء الإداري داخل الشركة، كما يجب تحديد السلطات والمسؤوليات، وفقًا للهيكل التنظيمي للشركة، ووضع التقارير بشفافية، كما يجب أن تتعدد الجهات الرقابية بالشركة (8).
حقوق المساهمين والمعاملة المتساوية بينهم:
تثبت للمساهم جميع الحقوق المرتبطة بالسهم، وبخاصةٍ ما يلي:
1- الحصول على نصيبه من صافي الأرباح التي قررت، أو بإصدار أسهم يتقرر توزيعها نقدًا.
2- الحصول على نصيبه من أصول الشركة عند التصفية.
3- حضور جمعيات المساهمين العامة أو الخاصة، والاشتراك في مداولاتها، والتصويت على قراراتها.
4- التصرف في أسهمه وفق أحكام نظام الشركات، ونظام السوق المالية ولوائحهما التنفيذية.
5- الاستفسار وطلب الاطلاع على دفاتر الشركة ووثائقها، ويشمل ذلك البيانات والمعلومات الخاصة بنشاط الشركة واستراتيجيتها التشغيلية والاستثمارية؛ بما لا يضر بمصالح الشركة، ولا يتعارض مع نظام الشركات ونظام السوق المالية ولوائحهما التنفيذية.
6- مراقبة أداء الشركة وأعمال مجلس الإدارة.
7- مساءلة أعضاء مجلس الإدارة، ورفع دعوى المسؤولية في مواجهتهم، والطعن ببطلان قرارات جمعيات المساهمين العامة والخاصة، وفق الشروط والقيود الواردة في نظام الشركات ونظام الشركة الأساس.
8- أولوية الاكتتاب بالأسهم الجديدة التي تصدر مقابل حصص نقدية؛ ما لم توقف الجمعية العامة غير العادية العمل بحق الأولوية – إذا نص على ذلك في نظام الشركة الأساس – وفقًا للمادة التاسعة والعشرين بعد المائة من نظام الشركات.
9- تقييد أسهمه في سجل المساهمين في الشركة.
10- طلب الاطِّلاع على نسخة من عقد تأسيس الشركة ونظامها الأساس؛ ما لم تنشرهما الشركة في موقعها الإلكتروني.
11-ترشيح أعضاء مجلس الإدارة وانتخابهم (9).
كما يلتزم مجلس الإدارة بتوفير المعلومات الكاملة، والواضحة، والصحيحة، وغير المضللة؛ لتمكين المساهم من ممارسة حقوقه على أكمل وجه، وتقدم هذه المعلومات في الوقت المناسب، ويجري تحديثها بانتظام (10).
أما من حيث المعاملة المتساوية بين المساهمين؛ فقد نصت المادة الرابعة من لائحة حوكمة الشركات على أنه:
” أ- يلتزم مجلس الإدارة بالعمل على حماية حقوق المساهمين بما يضمن العدالة والمساواة بينهم.
ب- يلتزم مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للشركة، بعدم التمييز بين المساهمين المالكين للأسهم من ذات النوع والفئة، وبعدم حجب أي حق عنهم.
ج- تبين الشركة في سياساتها الداخلية، الإجراءات اللازمة لضمان ممارسة جميع المساهمين حقوقهم”
رعاية حقوق أصحاب المصالح:
تقوم الشركة برعاية حقوق أصحاب المصالح التي ينشئها القانون، أو تنشأ نتيجة لاتفاقات متبادلة، وتعمل على تشجيع التعاون النشط بين الشركات وأصحاب المصالح، في خلق الثروة، وفرص العمل، واستدامة الشركات، وأحقيتهم في الحصول على المعلومات والرقابة، والمحافظة على حقوقهم، والحصول على التعويض عما يصيبهم من أضرار (11).
مبدأ الإفصاح والشفافية:
ويقصد بالإفصاح: ” تعهد الجهات المصدرة للأوراق المالية، بما فيها شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم؛ بنشر وإعلان البيانات، والمعلومات، والتقارير المتعلقة بنشاطاتها وأوضاعها المالية والاقتصادية، وتقديمها بصفة دورية، وكذلك في الحالات الاستثنائية للجهات المشرفة والرقابية؛ بما فيها الهيئات العامة للأوراق المالية وإدارة البورصات، وحملها إلى علم الجمهور، وبشكل خاص إلى المساهمين الحاليين، أو المحتملين، وغيرهم، وبكافة الوسائل التي تمكنهم من الاطلاع عليها” (12) .
أما الشفافية فيقصد بها: “تعهد الجهات المصدرة للأوراق المالية، بتوفير المعلومات والبيانات الحقيقية وغير المضللة عن نشاطاتها، ووضعها تحت تصرف المساهمين، والمستثمرين، والجهات المشرفة والرقابية على بورصة الأوراق المالية، وعدم حجب المعلومات عن تلك الجهات، وتمكينهم من الاطلاع عليها”.
وقد أوضحت المادة 86 من لائحة الحوكمة، سياسات الإفصاح وإجراءاته؛ فيجب على الشركة الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالشركة، بما في ذلك المركز المالي، والأداء، وحقوق الملكية، في الوقت المناسب بشمولية ودقة، وضمان وصول المعلومات المفصح عنها لأصحاب المصلحة (13).
ومن ضمن الإفصاح والشفافية في الشركات، ما نصت عليه المادة (71) من نظام الشركات الجديد:
“1- مع مراعاة حكم المادة (السابعة والعشرين) من النظام، يجب على عضو مجلس الإدارة فور علمه بأي مصلحة له سواء مباشرة أو غير مباشرة، في الأعمال والعقود التي تكون لحساب الشركة؛ أن يُبلغ المجلس بذلك، ويُثبت هذا الإبلاغ في محضر اجتماع المجلس عند اجتماعه. ولا يجوز لهذا العضو الاشتراك في التصويت على القرار، الذي يصدر في هذا الشأن في المجلس والجمعيات العامة، ويبلغ المجلس الجمعية العامة عند انعقادها عن الأعمال والعقود التي يكون لعضو المجلس مصلحة مباشرة أو غير مباشرة فيها، ويرفق بالإبلاغ تقرير خاص من مراجع حسابات الشركة، وفق معايير المراجعة المعتمدة في المملكة.
2- إذا تخلف عضو المجلس عن الإفصاح عن مصلحته المشار إليها في الفقرة (1) من هذه المادة؛ جاز للشركة أو لكل ذي مصلحة، المطالبة أمام الجهة القضائية المختصة بإبطال العقد، أو إلزام العضو بأداء أي ربح أو منفعة تحققت له من ذلك.
3- تقع المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الأعمال والعقود المشار إليها في الفقرة (1) من هذه المادة، على العضو صاحب المصلحة من العمل أو العقد، وعلى أعضاء مجلس الإدارة عند تقصيرهم أو إهمالهم في أداء التزاماتهم بالمخالفة لأحكام تلك الفقرة، أو إذا ثبت أن تلك الأعمال والعقود غير عادلة، أو تنطوي على تعارض في المصالح وتلحق الضرر بالمساهمين.
مسؤوليات مجلس الإدارة:
ويتحقق ذلك بضمان التوجيه والإرشاد الاستراتيجي للشركة، ومحاسبة مجلس الإدارة عن أعماله ومهامه أمام الشركة والمساهمين (14) وتقع مسؤولية عضو مجلس الإدارة؛ حال تخلفه عن الالتزام بالإفصاح عن أي مصلحة له سواء مباشرة أو غير مباشرة، في الأعمال والعقود التي تكون لحساب الشركة، وترتب أي أضرار عن هذه العقود، إذا كانت تنطوي على تعارض مصالح، أو تلحق الضرر بالمساهمين، وذلك طبقًا للمادة (71/3،2) من نظام الشركات.
المصادر:
3- د. سلطان عبد الرحمن سعيد العمري، دراسة أثر آليات حوكمة الشركات على الأداء المالي للشركات السعودية، ص 2، بحث منشور على موقع دراسة أثر آليات حوكمة الشركات على الأداء المالي للشركات السعودية. تاريخ الدخول 16 /12/2025 الساعة 4عصرًا.
4- التعريف متاح على موقع المنظمة www.oecd.org. تاريخ الدخول 16 /12/2025 الساعة 4.14عصرًا.
6- د. محمد سعد رويشد الحربي – دور هيئة سوق المال والجهات الرقابية في حوكمة الشركات في القانونين المصري والكويتي – دراسة مقارنة- المرجع سالف الذكر – ص 5.
7-د. عائض سلطان مرزوق البقمي – تطور الإطار القانوني لحوكمة الشركات في النظام السعودي دراسة مقارنة ـ المنشور بالمجلة العالمية لنشر البحوث – المرجع سالف الذكر ص9. بحث منشور على موقع تطور-الإطار-القانوني-لحوكمة-الشركات-في-النظام-السعودي-دراسة-مقارنة.pdf تاريخ الدخول 16 /12/2025 الساعة4.56 عصرًا.
8-د. مسعود يونس عطوان عطا – دور الحوكمة في استدامة الشركات وتحقيق رؤية المملكة 2030 – ص 1831 منشور على موقع:
article_30621_9a63a9e50b03bcabdba6d677e15e88c5.pdf تاريخ الدخول 16/12/2025 الساعة 5.17 مساءً.
9-المادة رقم (5) من لائحة حوكمة الشركات الصادرة بموجب قرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 8-16- 2017 بتاريخ 16 /5 /1438هـ بناءً على نظام الشركات الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/3 (بتاريخ 28 /1 / 1437 هـ المعدل بقرار مجلس هيئة السوق المالية رقم 8-5-2023 بتاريخ 25 / 6 / 1444هـ بناءً على نظام الشركات رقم (م/ 132) بتاريخ 1/12/ 1443 هـ.
10-المادة رقم (6) من ذات اللائحة.
11-د. مسعود يونس عطوان عطا – دور الحوكمة في استدامة الشركات وتحقيق رؤية المملكة 2030 – المرجع سالف الذكر – ص 1831، 1832.
12-د. عصام حنفي محمود – شرح القانون التجاري – دار النهضة العربية – عام 2007 – ص 19.
13-د. محمد سعد رويشد الحربي – دور هيئة سوق المال والجهات الرقابية في حوكمة الشركات في القانونين المصري والكويتي – دراسة مقارنة- المرجع سالف الذكر ص 113.
14-د. مسعود يونس عطوان عطا – دور الحوكمة في استدامة الشركات وتحقيق رؤية المملكة 2030 – المرجع سالف الذكر – ص1832.