يعد سوق الكربون الطوعي آلية مالية مبتكرة تسمح للأفراد والمؤسسات والشركات بشراء وبيع أرصدة كربون، بهدف تعويض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة التي يصعب تجنبها، حيث تدعم العائدات المالية الناتجة من هذا السوق مشاريع العمل المناخي، مثل الطاقة المتجددة واستعادة النظم البيئية، والتي تهدف إلى تقليل أو إزالة انبعاثات الكربون من الغلاف الجوي، مما يجعلها أداة حيوية لتحقيق الحياد الكربوني على المستويين المؤسسي والوطني.
في هذا السياق الإقليمي والدولي المتسارع، تبرز المملكة العربية السعودية كفاعل رئيسي في تشكيل مستقبل هذا السوق، لا كمجرد مشارك، بل منظم ورائد إقليمي له، حيث تحولت المملكة، المعروفة تاريخيًا بصدارتها في أسواق الطاقة التقليدية، بخطى استباقية نحو ريادة أسواق الطاقة والاستدامة الجديدة، إذ يُعد تطوير سوق الكربون المحلي والإقليمي ركيزة أساسية في رؤية المملكة 2030 ومبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر.
وعليه يمكن التعرف على سوق الكربون الطوعي الإقليمي من خلال التساؤلات التالية: ما هي شركة الكربون الطوعي الإقليمية؟ ما هي آلية عمل سوق الكربون الطوعي؟ وما هي آثار التداول في سوق الكربون الطوعي؟
أولًا: التعريف بشركة سوق الكربون الطوعي:
ظهرت أولى بوادر إنشاء الشركة في عام 2021 عندما أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومجموعة تداول السعودية عن نيتهما إنشاء كيان لتداول أرصدة الكربون الطوعية قبل قيامهما بتأسيس الشركة في شهر أكتوبر من العام التالي، إذ يملك صندوق الاستثمارات العامة نسبة 80% من الشركة، في حين تملك شركة مجموعة تداول السعودية نسبة 20% من الشركة (1).
وتهدف الشركة إلى قيادة وتيرة العمل المناخي ومجابهة آثاره، والارتقاء بجودة الحياة في دول الجنوب العالمي، وذلك عبر إنشاء سوق كربون طوعي يتميّز بموثوقيةٍ عالية، كما تعمل الشركة على ضخ الاستثمارات وتوجيه التمويل نحو مشاريع العمل المناخي في عدة أسواق حول العالم. وقامت الشركة بتنفيذ ثلاث مزادات لبيع صكوك أرصدة الكربون حتى الآن، حيث قامت ببيع أكثر من ستة ملايين طن من أرصدة الكربون، مما ساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية في المملكة (2).
ثانيًا: آلية عمل سوق الكربون الطوعي:
يمثل كل رصيد كربوني طنًا متريًا من ثاني أكسيد الكربون المكافئ يتم إصداره وبيعه، الأمر الذي يدل على تجنب أو إزالة انبعاثات حقيقية من الغلاف الجوي. وعادة ما يتم تداول أرصدة الكربون الطوعي عن طريق منصات إلكترونية لتداول أرصدة الكربون بين الأفراد والشركات والمؤسسات التي تسعى إلى تقليل الانبعاثات الكربونية الصادرة عن مشروعاتها وأنشطتها، على أن يتم توجيه الأموال الناتجة عن شراء هذه الأرصدة إلى مشروعات تخدم البيئة وتساعد في الحد من آثار التغير المناخي (3).
ثالثًا: آثار التداول في سوق الكربون الطوعي:
1- الأثر البيئي:
يعد الأثر البيئي من أكثر الآثار الملموسة لأسواق الكربون الطوعي، إذ تساهم هذه الأسواق بشكل مباشر في خفض تركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، من خلال تمويل مشاريع متنوعة تتراوح بين مشاريع الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح)، ومشاريع كفاءة الطاقة في القطاعات الصناعية والتجارية. كما تدعم مشاريع التخلص من الميثان من مدافن النفايات. (4)
كما يوفر السوق الطوعي حافزًا ماليًا ومخاطر أقل للمستثمرين والمطورين الراغبين في تجربة ونشر تقنيات حديثة في مجالات خفض الانبعاثات، والتي قد تكون مكلفة أو غير مجدية تجاريًا في ظل الظروف التقليدية.
2- الأثر الاقتصادي:
نظرًا لإنشاء سوق الكربون الطوعي لفئة أصول مالية جديدة هي (أرصدة الكربون)، فإن ذلك يوسع نطاق أدوات الاستثمار المتاحة ويجذب فئات من المستثمرين الجدد، مثل صناديق التحوط والاستثمار المؤسسي المهتمة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، الأمر الذي يساهم في تعميق السوق المالي وزيادة سيولته.
كما يدعم تمويل المشاريع عبر سوق الكربون الطوعي خلق فرص عمل في قطاعات مثل تركيب وصيانة الألواح الشمسية، وإدارة الغابات المستدامة، ومراقبة الانبعاثات، والتدقيق البيئي، والتي تكون غالبًا وظائف ذات مهارة متوسطة إلى عالية. (5)
وتساهم مشاركة الشركات في سوق الكربون الطوعي في تعزيز قيمتها السوقية على المدى المتوسط والطويل، لما يعكسه ذلك من إدارة مستقبلية للمخاطر، حيث يسمح سوق الكربون الطوعي للشركات بإدارة مخاطرها التنظيمية والسمعية المرتبطة بالانبعاثات الكربونية. (6)
3- الأثر الاجتماعي:
نظرًا لمساهمة المشاريع الممولة عبر سوق الكربون في تخفيض ملوثات الهواء المرتبطة بالوقود الأحفوري، فإن ذلك يساهم في تقليل المخاطر الناتجة عن أمراض الجهاز التنفسي، وكذا الضغط على الأنظمة الصحية، كما يمكن لمشاريع التشجير الحضري المدعومة بأرصدة الكربون أن تخفف من تأثير ارتفاع درجات الحرارة وتنقي الهواء، مما يعود بالنفع على صحة السكان.
الملخص
يتحدث الموضوع عن الدور الريادي لـ شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية التي تأسست بشراكة بين صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة تداول السعودية لدعم رؤية 2030 و تهدف هذه المبادرة إلى توفير آلية مالية موثوقة تتيح للمؤسسات موازنة انبعاثاتها عبر تداول أرصدة الكربون التي يمثل كل منها طناً مترياً من مكافئات ثاني أكسيد الكربون. كما يوضح الموضوع أن هذا السوق يساهم في تمويل مشاريع المناخ مثل الطاقة المتجددة وحماية النظم البيئية مما يحقق فوائد بيئية واقتصادية ملموسة وإلى جانب تقليل التلوث يعمل السوق على جذب استثمارات جديدة وتعزيز القيمة السوقية للشركات الملتزمة بمعايير الاستدامة وبذلك تعكس المصادر تحول المملكة إلى قائد إقليمي في اقتصاد الكربون المستدام وتحسين جودة الحياة في دول الجنوب العالمي.
ما هو سوق الكربون الطوعي وكيف يعمل كآلية مالية لدعم العمل المناخي؟
يعتبر سوق الكربون الطوعي آلية مالية مبتكرة تتيح للأفراد والمؤسسات والشركات إمكانية شراء وبيع أرصدة الكربون، وذلك بهدف تعويض انبعاثاتهم من الغازات الدفيئة التي يصعب تجنبها.
وتتضح آلية عمله كأداة لدعم العمل المناخي من خلال النقاط التالية:
- تمثيل الرصيد الكربوني: يمثل كل رصيد كربوني واحد طناً مترياً واحداً من ثاني أكسيد الكربون المكافئ ويُعد إصداره وبيعه دليلاً على تجنب أو إزالة انبعاثات حقيقية من الغلاف الجوي.
- توجيه التمويل: تُستخدم العوائد المالية الناتجة عن هذا السوق لتمويل مشاريع العمل المناخي مثل الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) واستعادة النظم البيئية وكفاءة الطاقة والتخلص من الميثان من مدافن النفايات.
- منصات التداول: يتم تداول هذه الأرصدة عادةً عبر منصات إلكترونية تجمع بين الشركات والمؤسسات التي تسعى لتقليل أثرها الكربوني وبين المشاريع البيئية التي تحتاج إلى تمويل.
- تحفيز الابتكار: يوفر السوق حافزاً مالياً ويقلل المخاطر للمستثمرين الراغبين في تجربة تقنيات حديثة لخفض الانبعاثات قد تكون مكلفة أو غير مجدية تجارياً في الظروف التقليدية.
- خلق فئة أصول جديدة: يساهم السوق في إيجاد فئة أصول مالية جديدة (أرصدة الكربون) مما يجذب مستثمرين جدد مثل صناديق التحوط والاستثمار المؤسسي المهتمة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة وهو ما يعمق السوق المالي ويزيد سيولته.
بناءً على ذلك يعمل هذا السوق كحلقة وصل تحول الالتزامات البيئية إلى تدفقات مالية تدعم استدامة المشاريع الخضراء وتحقيق الحياد الكربونيزي.
ما الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية تحديداً في قيادة هذا السوق إقليمياً؟
تؤدي المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في قيادة سوق الكربون الطوعي إقليمياً حيث انتقلت من كونها مشاركاً عادياً إلى منظم ورائد إقليمي يشكل مستقبل هذا السوق.
ووفقاً للمصادر يتلخص هذا الدور في النقاط الجوهرية التالية:
- المبادرة والتأسيس: كانت المملكة سبّاقة في إنشاء الكيانات التنظيمية حيث أعلن صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة تداول السعودية عن تأسيس “شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية” في أكتوبر 2022 ويمتلك الصندوق 80% من أسهمها بينما تملك مجموعة تداول 20%.
- الارتباط بالرؤية الوطنية: يُعد تطوير هذا السوق ركيزة أساسية في رؤية المملكة 2030 ومبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر مما يعكس تحول المملكة الاستباقي من ريادة أسواق الطاقة التقليدية إلى ريادة أسواق الاستدامة.
- الريادة في العمليات التشغيلية: نجحت الشركة في تنفيذ ثلاثة مزادات لبيع صكوك أرصدة الكربون حتى الآن ووصل حجم المبيعات إلى أكثر من ستة ملايين طن، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تقليل الانبعاثات الكربونية داخل المملكة.
- دعم دول “الجنوب العالمي”: لا يقتصر دور المملكة على النطاق المحلي بل تهدف من خلال هذه الشركة إلى قيادة العمل المناخي والارتقاء بجودة الحياة في دول الجنوب العالمي عبر ضخ الاستثمارات وتوجيه التمويل لمشاريع بيئية في أسواق عالمية متعددة.بناء سوق موثوق: تعمل المملكة على إنشاء سوق يتميز بموثوقية عالية، مما يوفر منصة آمنة للأفراد والشركات لتداول الأرصدة وتوجيه العوائد لمشاريع حقيقية تخدم البيئة.
بهذا، تحولت المملكة إلى وجهة إقليمية تجمع بين التمويل المبتكر والالتزام البيئي مما يعزز من قدرتها على إدارة المخاطر المناخية وتحقيق الحياد الكربوني.
المصادر:
- الموقع الرسمي لشركة الكربون الطوعي (VCM) < سوق الكربون الطوعي | تقليل انبعاث الكربون وتعويض الكربون>.
- ذات المرجع.
- ذات المرجع.
- بن شستر شيونج، مفارقة الائتمانات الكربونية العالمية: إطار نظري لتعزيز استراتيجيات الحد من آثار تغير المناخ، مجلة Anthropocene Science، العدد الرابع بتاريخ 16/6/2025م، من ص 72 إلى 83 < The Paradox and Fallacy of Global Carbon Credits: A Theoretical Framework for Strengthening Climate Change Mitigation Strategies | Anthropocene Science | Springer Nature Link>.
- بن شستر شيونج، مفارقة الائتمانات الكربونية العالمية: إطار نظري لتعزيز استراتيجيات الحد من آثار تغير المناخ، المرجع السابق، من ص 72 إلى 83.
- تيمو بوش، ألكسندر باسن، ستيفان ليفاندوفسكي، فرنسيسكا سامب، إعادة النظر في الأداء المالي وأداء الكربون للشركات، مجلة Sustainable development، بتاريخ 2 يوليو 2020، من ص 154 إلى ص 171.