مع تزايد أهمية التحكيم الدولي بوصفه وسيلة استثنائية لتسوية المنازعات التجارية الدولية، فإن تنفيذ حُكم التحكيم الأجنبي والاعتراف به يواجه الكثير من العقبات، خاصة عندما يمتنع المحكوم ضده عن تنفيذه أو يرفض الاعتراف به، الأمر الذي دعا لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي إلى وضع قواعد موَّحَدة ضمن اتفاقية دولية، تعمل على توفير معايير تشريعية مشتركة بشأن الاعتراف باتفاقات التحكيم، وكذلك اعتراف المحاكم بقرارات التحكيم الأجنبية، وتهدف بصفة رئيسة إلى عدم التمييز بين قرارات التحكيم الأجنبية، وبين قرارات التحكيم المحلّية؛ ومن ثم فإن الاتفاقية تُلزِم الدول الأطراف بضمان الاعتراف بتلك القرارات، واعتبارها -عمومًا- قابلة للإنفاذ في ولاياتها القضائية على غرار قرارات التحكيم المحلّية. كما أن من ضمن الأهداف التبعية التي ترمي إليها هذه الاتفاقية، أنها تطلب من محاكم الدول الأطراف، أن تجعل اتفاقات التحكيم ذات مفعول تام، وذلك باقتضائها من المحاكم حرمان الطرفين من سبل اللجوء إلى المحكمة، إخلالًا باتفاقهما على إحالة مسألة خلافية إلى هيئة تحكيم (1).
وبالفعل، خرجت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها إلى النور، في مدينة نيويورك بتاريخ 7/6/1958، حيث تم توقيعها من قِبَل (172) دولة، وانضمت وصادقت عليها المملكة العربية السعودية بتاريخ 19/4/1994، مع تحفُّظها على الفقرة الثالثة من المادة الأولى من هذه الاتفاقية، والتي أصبحت -بعد المصادقة عليها- جزءًا من نظام التحكيم السعودي.
ولا شك أن تشجيع الاستثمارات الأجنبية في دولة ما، يتطلب أن تنضم هذه الدولة إلى تلك الاتفاقية؛ لتضمن الدولة المستثمرة أن ما يصدر من أحكام تحكيم أجنبية في شأن نزاع يتعلق بالاستثمار، سيكون قابلًا للتنفيذ في الدولة المضيفة لرأس المال الأجنبي(2).
هذا، ويُعَدُّ تشجيع الاستثمارات الأجنبية جزءًا أساسيًا من أهداف رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
مجال تطبيق الاتفاقية:
تضمنت المادة الأولى من هذه الاتفاقية تحديد نطاق تطبيقها؛ إذ ذكرت أن المقصود بقرارات أو أحكام التحكيم، ليس فقط القرارات أو الأحكام الصادرة عن مُحكِّمين مُعيَّنين في حالات محددة، بل أيضًا القرارات أو الأحكام الصادرة عن هيئات تحكيم دائمة يَحتكم إليها الأطراف.
بمعنى أكثر دقة، أن الاتفاقية سارية، سواء صدر الحُكم في نزاع بين أفراد أو شخصيات اعتبارية خاصة أو عامة. كما تسري أحكام الاتفاقية، سواء نشأ النزاع عن علاقات تعاقدية أو غير تعاقدية (3). كما يستوي أن يكون تحكيمًا عاديًا أو تحكيمًا بالصلح(4)، أو أن يكون طرفا التحكيم من رعايا دولتين مختلفتين أو دولة واحدة، كما يستوي أن يكون الطرفان من جنسية إحدى الدولتين الصادر فيهما الحُكم والمطلوب تنفيذه فيها، أو من جنسية دولة مختلفة (5).
والجدير بالذكر أنه لم تشترط تلك الاتفاقية أن يكون النزاع تجاريًا، طبقًا للقانون الوطني للدولة المنضمة إليها، ومع ذلك تضمّنت الاتفاقية تحفُّظًا يجيز للدول المتعاقدة أن تشترط لسريان أحكام الاتفاقية، أن يكون النزاع الصادر بشأنه حُكم التحكيم متعلقًا بعمل تجاري وفقًا لتشريعها الوطني (6).
التزامات الاتفاقية بشأن اعتراف الدول بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها:
1- ألزمت الاتفاقية الدول المتعاقدة بالاعتراف بأي اتفاق مكتوب، يتعهَّد بمقتضاه طرفان بأن يُحيلا إلى التحكيم منازعاتهم، أو أي خلافات تنشأ، أو قد تنشأ بينهما متى كانت ناشئة عن علاقة قانونية محددة، تعاقدية أو غير تعاقدية، تتصل بموضوع يمكن تسويته عن طريق التحكيم (7)، ويُقصد بمصطلح “اتفاق مكتوب” في هذا الصدد، أي شرط تحكيم يَرِدُ في عقد، أو أي اتفاق تحكيم مُوقَّع عليه من الطرفين، أو وارد في رسائل أو برقيات متبادلة (8).
2- ألزمت الاتفاقية الدول المتعاقدة أيضًا، بأن تعترف بقرارات التحكيم بوصفها قرارات مُلزِمة، وأن تقوم بتنفيذها طبقًا للقواعد الإجرائية المعمول بها في الإقليم الذي يُحتجُّ فيه بالقرار، وذلك وفقًا للشروط التي سيَرِدُ ذِكرها فيما بعد، دون فرض شروط أكثر تَشدُّدًا، أو رسوم تزيد عن تلك المتعلقة بقرارات التحكيم المحلية (9).
3- ألزمت الاتفاقية مَحكمة الدولة المتعاقدة، التي يُعرَض عليها نزاع في مسألة أَبرم الطرفان بشأنها اتفاقًا بالمعنى المستخدم في المادة الثالثة، أن تُحيل الطرفين إلى التحكيم، بناءً على طلب أيهما، ما لم يتبيّن لها أن هذا الاتفاق ملغى وباطل، أو غير مُنفَّذ، أو غير قابل للتنفيذ (10).
شروط الحصول على الاعتراف والتنفيذ:
1- أن يقوم الطرف الذي يطلب الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها، بتقديم القرار الأصلي، مُصدَّقًا عليه حسب الأصول المتبعة، أو نسخة منه معتمَدة حسب الأصول، وقت تقديم الطلب (11).
2- أن يُقدِّم الطرف الذي يطلب الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها، وقت تقديم الطلب، الاتفاق الأصلي (الاتفاق المكتوب) على النحو المبيَّن سلفًا، أو صورة معتمدة منه(12).
3- حال كان الحُكم المراد الاعتراف به وتنفيذه، أو الاتفاق المكتوب، بِلُغة تخالف اللغة الرسمية للبلد الذي يُحتجُّ فيه بالقرار، وجب على الطرف الذي يطلب الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها وقت تقديم الطلب، أن يُقدِّم ترجمة معتمَدة لهاتين الوثيقتين، ويجب أن تكون الترجمة معتمَدة من موظف رسمي، أو مترجِم مُحلَّف، أو ممثل دبلوماسي أو قنصلي (13).
الحالات التي يجوز فيها رفض الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها:
إذا كان المبدأ العام للاتفاقية، أنه لا يجوز رفض الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها، إلا أن المادة الخامسة من ذات الاتفاقية أجازت للطرف المحتج ضده بهذا القرار، أن يقدِّم للسلطة المختصة التي يُطلب إليها الاعتراف والتنفيذ، ما يثبت التالي:
أ- أن طرفيَّ الاتفاق المكتوب كانا بمقتضى القانون المنطبق عليهما، في حالة من حالات انعدام الأهلية، أو كان الاتفاق المكتوب غير صحيح بمقتضى القانون الذي خضع له الطرفان.
ب- أن الطرف الذي يُحتجُّ ضده بالقرار، لم يُخْطَر على الوجه الصحيح بتعيين المحكِّم، أو بإجراءات التحكيم، أو كان لأي سبب آخَر غير قادر على تقديم دفاعه.
ج- أن القرار أو الحُكم، فَصَلَ في نزاع غير وارد في مشارطة التحكيم، أو في عقد التحكيم، أو تجاوز حدودهما فيما قضى به. ومع ذلك، يجوز الاعتراف وتنفيذ جزء من الحُكم الخاضع أصلًا للتسوية بطريق التحكيم، إذا أمكن فصله عن بقية أجزاء الحُكم غير المتفّق على حلها بهذا الطريق.
د- أن تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم، مخالِف لما اتفق عليه الأطراف، أو قانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق.
هـ- أن الحُكم لم يصبح مُلزِمًا للخصوم، أو ألغته، أو أوقفته السلطة المختصة في البلد الذي صدر فيه، أو صدر الحُكم بموجب قانونه (14).
كما أجازت المادة الخامسة أيضًا، رفض الاعتراف بقرار التحكيم الأجنبي وتنفيذه، إذا تبيّن للسلطة المختصة في البلد الذي يُطلب فيه الاعتراف بالقرار وتنفيذه:
1- أنه لا يمكن تسوية موضوع النزاع بالتحكيم طبقًا لقانون ذلك البلد.
2- أن الاعتراف بالقرار أو تنفيذه يتعارض مع السياسة العامة للبلد (15).
الملخص:
يناقش هذا الموضوع اتفاقية نيويورك لعام 1958 وهي إطار قانوني دولي يهدف إلى توحيد معايير الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها لتسهيل التجارة العالمية.
توضح النصوص التزام الدول الموقعة ومنها المملكة العربية السعودية بالاعتراف باتفاقات التحكيم المكتوبة ومعاملة الأحكام الأجنبية بمرونة تماثل الأحكام المحلية لدعم الاستثمار الأجنبي.
كما تستعرض المادة النطاق الواسع لتطبيق الاتفاقية ليشمل مختلف النزاعات القانونية مع تحديد المتطلبات الإجرائية والوثائق اللازمة لطلب التنفيذ أمام القضاء الوطني.
وأخيراً يبين الموضوع الحالات الاستثنائية التي يحق فيها للدول رفض التنفيذ مثل انعدام أهلية الأطراف أو الإخلال بحقوق الدفاع أو تعارض الحكم مع السياسة العامة للدول.
اسئلة حول اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية
ما هي الأهداف الرئيسية لاتفاقية نيويورك ودورها في تعزيز الاستثمار الأجنبي؟
تمثل الأهداف الرئيسية لاتفاقية نيويورك (اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام 1958) ودورها في تعزيز الاستثمار الأجنبي فيما يلي:
الأهداف الرئيسية للاتفاقية:
- وضع قواعد موحدة ومعايير تشريعية مشتركة: تهدف الاتفاقية إلى توفير معايير موحدة للاعتراف باتفاقات التحكيم وبقرارات التحكيم الأجنبية من قبل المحاكم.
- مبدأ عدم التمييز: تسعى بصفة رئيسة إلى عدم التمييز بين قرارات التحكيم الأجنبية والقرارات المحلية حيث تُلزم الدول الأطراف بضمان الاعتراف بتلك القرارات وإنفاذها في ولاياتها القضائية على غرار القرارات المحلية.
- إعطاء المفعول التام لاتفاقات التحكيم: تهدف الاتفاقية إلى منع الأطراف من اللجوء للمحاكم إذا كان هناك اتفاق مسبق على إحالة النزاع للتحكيم مما يفرض على المحاكم حرمان الطرفين من سبل التقاضي التقليدية إخلالاً باتفاقهما.
- تسهيل إجراءات التنفيذ: ألزمت الاتفاقية الدول بالاعتراف بقرارات التحكيم بوصفها ملزمة وتنفيذها وفق القواعد الإجرائية المعمول بها دون فرض شروط أكثر تشدداً أو رسوم تزيد عن تلك المتعلقة بالتحكيم المحلي.
دور الاتفاقية في تعزيز الاستثمار الأجنبي:
- ضمان حماية حقوق المستثمرين: إن تشجيع الاستثمارات الأجنبية يتطلب انضمام الدول لهذه الاتفاقية لضمان أن الأحكام الصادرة في منازعات الاستثمار ستكون قابلة للتنفيذ في الدولة المضيفة لرأس المال.
- توفير بيئة قانونية آمنة: يُعد انضمام الدول (مثل المملكة العربية السعودية) لهذه الاتفاقية جزءاً أساسياً من أهدافها الاقتصادية مثل رؤية 2030 حيث يسهم ذلك في طمأنة المستثمر الأجنبي بشأن إمكانية تسوية المنازعات عبر التحكيم الدولي والاعتراف بنتائجه.
- شمولية نطاق التطبيق: تسري الاتفاقية على المنازعات سواء كانت ناتجة عن علاقات تعاقدية أو غير تعاقدية وسواء كان الأطراف أشخاصاً طبيعيين أو اعتباريين (عامة أو خاصة) مما يغطي كافة أشكال التعاملات الاستثمارية.
- إلزام المحاكم الوطنية بالاعتراف بالاتفاقات المكتوبة: تُلزم الاتفاقية المحاكم بإحالة الخصوم للتحكيم بناءً على طلب أحدهم إذا وجد اتفاق مكتوب مما يعزز الثقة في العملية التحكيمية كبديل فعال للقضاء الوطني.
ما هي الوثائق المطلوبة للحصول على الاعتراف بقرار التحكيم؟
للحصول على الاعتراف بقرار التحكيم الأجنبي وتنفيذه، حددت اتفاقية نيويورك مجموعة من الوثائق الأساسية التي يجب على الطرف طالب التنفيذ تقديمها وقت تقديم الطلب وهي كالتالي:
1. قرار التحكيم الأصلي:
يجب تقديم القرار الأصلي مصدقاً عليه حسب الأصول المتبعة أو تقديم نسخة معتمدة منه.
2. اتفاق التحكيم الأصلي:
يجب تقديم “الاتفاق المكتوب” الأصلي (سواء كان شرط تحكيم في عقد أو اتفاقاً مستقلاً) أو صورة معتمدة منه. ويُقصد بالاتفاق المكتوب أي وثيقة موقعة من الطرفين أو واردة في رسائل أو برقيات متبادلة.
3. الترجمة المعتمدة (عند الحاجة):
إذا كان قرار التحكيم أو اتفاق التحكيم مكتوباً بلغة غير اللغة الرسمية للبلد الذي يُطلب فيه التنفيذ، يجب تقديم ترجمة معتمدة لهاتين الوثيقتين.
شروط خاصة بالترجمة:
تستلزم الاتفاقية أن تكون هذه الترجمة معتمدة من جهة رسمية مثل:
- موظف رسمي.
- مترجم محلف.
- ممثل دبلوماسي أو قنصلي.
يُشار إلى أن هذه المتطلبات تهدف إلى تسهيل الإجراءات حيث ألزمت الاتفاقية الدول بعدم فرض شروط أكثر تشدداً أو رسوم تزيد عن تلك المتعلقة بقرارات التحكيم المحلية.
المصادر:
- ديباجة اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك 1958) منشور على موقع اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك، 1958) (“اتفاقية نيويورك”) | لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي تاريخ الدخول 28 / 9 / 2025 الساعة 12.52 ظهرًا.
- د. محمود سمير الشرقاوي – التحكيم التجاري الدولي – دراسة قانونية مقارنة – طبعة 2011 – دار النهضة العربية – ص 558.
- د. محسن شفيق – التحكيم التجاري الدولي – دار النهضة العربية – طبعة 1997 – ص 336، 337.
- د. عبد الحميد الأحدب – التحكيم بالصلح – مجلة التحكيم العربي – العدد الثالث – ص 83 – 84.
- د. فتحي والي – التحكيم في المنازعات الوطنية والتجارية الدولية – منشأة المعارف بالإسكندرية – طبعة 2014 – ص 634.
- المادة (1 / 3) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك 1958) منشور على موقع اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك، 1958) (“اتفاقية نيويورك”) | لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي تاريخ الدخول 28 / 9 / 2025 الساعة 12.52 ظهرًا.
- المادة (2/1) من ذات الاتفاقية.
- المادة (2/2) من ذات الاتفاقية.
- المادة الثالثة من ذات الاتفاقية.
- المادة (2/3) من ذات الاتفاقية.
- المادة (4 /1/أ) من ذات الاتفاقية.
- المادة (4/1/ب) من ذات الاتفاقية.
- المادة (4 / 2) من ذات الاتفاقية.
- المادة (5 /1) من ذات الاتفاقية.
- المادة (5 /2) من ذات الاتفاقية.