الرئيسية - التحكيم وتسوية المنازعات - اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي

اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي

تعتبر السِّرِّية من أهم المزايا التي تدفع المتعاملين في مجتمع التجارة والأعمال إلى اختيار التحكيم وسيلةً لفض المنازعات، وفق قانون التجارة الدولية لتسوية خلافاتهم؛ نظرًا لما توفره من ضمانة مثلى لمسار ومصير استثماراتهم، وحماية بياناتهم الفنية، والاستراتيجية، والاقتصادية (1).

ويلقي التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول آثاره على المصلحة العامة للشعوب؛ كون ما قد يحكم به للمستثمر من تعويضات، يكون من الخزانة العامة للدولة؛ لذا تشهد الساحة الدولية تكبُّد بعض الدول خسائر فادحة في هذا الصدد. وعليه، فإن من حق شعوب هذه الدول أن تطالب بعلانية إجراءات التحكيم، ومن هنا تعالت الأصوات مناديةً بالشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول، واستجابة لذلك قررت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي في دورتها الحادية والأربعين، معالجة مسألة الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول، فاعتمدت اللجنة في دورتها السادسة والأربعين، قواعد الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول، وأقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 /12/2013 (2).

وتهدف الاتفاقية إلى اعتبار المعاهدة الاستثمارية بمثابة صك، يمكن من خلاله للأطراف التي أبرمتها قبل 1 نيسان/أبريل 2014، أن تُبدي موافقتها على تطبيق قواعد الأونسيترال، بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول. تعتبر قواعد الشفافية مجموعة من القواعد الإجرائية، الرامية إلى جعل المعلومات بشأن إجراءات التحكيم بين المستثمرين والدول، التي تنشأ عن معاهدات الاستثمار، متاحةً لعموم الجمهور. وفيما يخصُّ معاهدات الاستثمار المُبرمة قبل 1 نيسان/أبريل 2014، فإنَّ هذه القواعد تنطبق في حالات، منها اتفاق أطراف معاهدة الاستثمار ذات الصلة على تطبيقها. وتُعدُّ الاتفاقية آليةً ناجعةً ومرنةً لتسجيل الاتفاقات من هذا القبيل.

معاهدة الاستثمار: 

تعرف بأنها معاهدة ثنائية أو متعددة الأطراف، بما في ذلك أي معاهدة يشار إليها عمومًا باتفاق تجارة حرة، أو اتفاق تكامل اقتصادي، أو اتفاق إطاري أو تعاوني في مجال التجارة والاستثمار، أو معاهدة استثمارية ثنائية، تتضمن أحكامًا بشأن حماية استثمارات أو مستثمرين، وتعطي المستثمرين حق اللجوء إلى التحكيم ضد الأطراف المتعاقدة في تلك المعاهدة الاستثمارية. 

التحكيم التعاهدي: 

هو ما يلجأ إليه الأطراف المتعاقدة في معاهدة الاستثمار؛ حال خرق أحد الأطراف الالتزامات الواردة بهذه المعاهدة؛ وذلك للمطالبة بالتعويض بموجب معايير هذه الحماية، وتمنح المستثمرين الأجانب إمكانية رفع دعاوى ضد الدول المضيفة أمام هيئات التحكيم الدولية (3).

نطاق تطبيق الاتفاقية: 

تنطبق هذه الاتفاقية على التحكيم بين المستثمرين، والدول، ومنظمات التكامل الاقتصادي الإقليمية، الذي يُجرى استنادًا إلى معاهدة استثمارية مبرمة قبل 1 أبريل 2014 (التحكيم بين المستثمرين)، وهذا يعني أن القواعد لا تنطبق على منازعات استثمارية طرفاها مستثمرون، سواء كانوا أشخاصًا طبيعيين أو اعتباريين، وإن كانت دولهم أطرافًا في المعاهدات الاستثمارية؛ إذ لا بد أن يكون أحد أطراف المنازعة الاستثمارية دولة، أو إحدى هيئاتها العامة طرفًا في المعاهدة، مع مستثمر ينتمي لدولة طرف في المعاهدة، ويجوز أن يكون طرفا المنازعة دولتين، شريطة أن تكون الدولتان طرفًا في المعاهدة الاستثمارية، وأن يكون موضوع المنازعة يتعلق بالاستثمار(4) .  

وتنطبق قواعد الشفافية، فيما يتعلق بالمنازعات الناشئة عن المعاهدات التي أُبرمت قبل 1 نيسان/أبريل 2014، عندما تتفق الأطراف في المعاهدة ذات الصلة، أو الأطراف المتنازِعة على تطبيقها، وتنطبق أيضًا على قواعد الشفافية فيما يتعلق بالمنازعات الناشئة عن المعاهدات المُبرَمة في 1 نيسان/أبريل 2014، أو بعد هذا التاريخ “المعاهدات اللاحقة”، عندما يُستَهَلُّ التحكيم بين المستثمرين والدول بمقتضى قواعد الأونسيترال للتحكيم؛ ما لم تتَّفق الأطراف على خلاف ذلك، ويمكن أيضًا استخدام قواعد الشفافية في عمليات التحكيم بين المستثمرين، والدول التي تُستَهَلّ، بمقتضى قواعد أخرى غير قواعد الأونسيترال للتحكيم، وفي إجراءات مخصَّصة (5).

وقد ورد في الفقرة الأولى من المادة الثانية من الاتفاقية، فيما يتعلق بتطبيق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية أنه: “1- تنطبق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية على أي تحكيم بين المستثمر والدولة يكون فيه المدعى عليه طرفًا لم يُبدِ تحفُّظًا بهذا الشأن بمقتضى الفقرة الفرعية 1(أ) أو الفقرة الفرعية 1(ب) من المادة الثالثة، ويكون فيه المدعي من دولة طرف لم تُبدِ تحفُّظًا بهذا الشأن بمقتضى الفقرة 1(أ) من المادة الثالثة، سواء أُقيمت دعوى التحكيم بمقتضى قواعد الأونسيترال للتحكيم أم لا”. وفي حال عدم انطباق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية على النحو المبين آنفًا في الفقرة الأولى من المادة الثانية؛ فتنطبق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية على التحكيم بين المستثمر والدولة، حال عدم إبداء المدعى عليه تحفّظًا بشأن التحكيم بمقتضى الفقرة (1) من المادة الثالثة من الاتفاقية، وشريطة موافقة المدعي على تطبيق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية، سواء أُقيمت دعوى التحكيم بمقتضى قواعد الأونسيترال للتحكيم أم لا (6). وحال انطباق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية بمقتضى الفقرتين (1،2) من المادة الثانية؛ فتنطبق أحدث صيغة من تلك القواعد، لا يكون للمدعى عليه تحفظٌ عليها بموجب الفقرة (2) من المادة الثالثة من الاتفاقية (7). 

غير أن الاتفاقية لا تطبق الجملة الواردة في الفقرة (7) من المادة الأولى من قواعد الأونسيترال، والتي نصَّت على أنه: “وحينما يكون هناك تضارب بين قواعد الشفافية والمعاهدة تكون الغلبة لأحكام المعاهدة”، وذلك بشأن الشفافية على دعاوى التحكيم بين المستثمرين، والدول التي تُقام بمقتضى الفقرة (1) (8). 

ولا يجوز للمدعي أن يمتنع عن تطبيق قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية، مستندًا إلى بند الدولة الأولَى بالرعاية؛ بهدف توسيع نطاق تطبيق قواعد الأونسيترال للشفافية ليشمل حالات لم تكن لتخضع لها لولا الاستناد إلى هذا البند (9). 

وقد أوردت الاتفاقية في المادتين الثالثة والرابعة، التحفظات التي يجوز للأطراف إبداؤها.  

 

الملخص

اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي تهدف إلى الموازنة بين السرية التقليدية في النزاعات التجارية والمصلحة العامة للشعوب.
تسعى هذه الاتفاقية إلى إتاحة المعلومات المتعلقة بمنازعات الاستثمار بين الدول والمستثمرين للجمهور خاصة وأن التعويضات تُسدد من الخزانة العامة.
توضح الاتفاقية آليات تطبيق قواعد الأونسيترال على المعاهدات المبرمة قبل عام 2014 معتبرةً إياها وسيلة مرنة لتعزيز الشفافية الإجرائية.
كما تحدد نطاق السريان وحالات التحفظ مؤكدةً على عدم جواز استغلال بنود معينة لتوسيع نطاق القواعد بشكل غير متفق عليه.
وتقدم تعريفات دقيقة للمعاهدات الاستثمارية والتحكيم الناتج عنها لضمان حماية حقوق الأطراف المتنازعة تحت رقابة مجتمعية.

اسئلة حول اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي 

كيف توازن الاتفاقية بين سرية الاستثمار وحق الشعوب في الشفافية؟

توازن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي بين مصلحة المستثمر في السرية وحق الشعوب في الشفافية من خلال المبادئ والآليات التالية المستمدة من المصادر:

1. الاعتراف بأهمية السرية لحماية البيانات الحساسة:

تدرك الاتفاقية أن السرية هي إحدى المزايا الجوهرية التي تدفع المستثمرين لاختيار التحكيم حيث توفر ضمانة لحماية بياناتهم الفنية والاستراتيجية والاقتصادية. هذا الاعتراف يمثل الجانب الأول من التوازن وهو حماية المصالح التجارية المشروعة للمستثمر.

2. إقرار حق الشعوب في الشفافية لارتباطها بالمال العام:

في المقابل تؤكد الاتفاقية أن التحكيم بين المستثمرين والدول يمس المصلحة العامة للشعوب لأن التعويضات التي قد يُحكم بها للمستثمر تُدفع من الخزانة العامة للدولة. لذا تمنح الاتفاقية الشعوب الحق في علانية الإجراءات لضمان الرقابة على صرف الأموال العامة.

3. جعل معلومات التحكيم متاحة للجمهور كأصل عام:

تعمل قواعد الشفافية الملحقة بالاتفاقية كمجموعة من القواعد الإجرائية التي تهدف إلى جعل المعلومات المتعلقة بإجراءات التحكيم متاحة لعموم الجمهور. ويشمل ذلك المنازعات الناشئة عن معاهدات الاستثمار المبرمة سواء قبل أو بعد 1 أبريل 2014 وفق ضوابط محددة.

4. مرونة التطبيق عبر نظام “التحفظات”:

لتحقيق التوازن العملي لم تفرض الاتفاقية الشفافية بشكل مطلق ومفاجئ بل اعتمدت آلية مرنة تسمح للدول بالتحكم في نطاق تطبيق هذه القواعد من خلال:

  • الموافقة المتبادلة: تطبيق القواعد على المعاهدات القديمة (قبل 2014) يتطلب موافقة أطراف المعاهدة أو أطراف النزاع.
  • حق إبداء التحفظات: منحت الاتفاقية في مادتها الثالثة والرابعة الحق للدول في إبداء تحفظات بشأن تطبيق قواعد الشفافية مما يسمح للدولة بالموازنة بين التزاماتها الدولية وحماية قطاعات معينة أو مصالح استراتيجية تراها ضرورية.
  • استبعاد بند الدولة الأولى بالرعاية: منعت الاتفاقية المستثمر من التذرع بـ “بند الدولة الأولى بالرعاية” لمحاولة توسيع نطاق الشفافية بشكل قسري في حالات لم تكن لتخضع لها أصلاً مما يحمي التوازن التعاقدي الذي ارتضته الدولة.

بهذه الطريقة تسعى الاتفاقية إلى الانتقال من “السرية التقليدية” إلى نظام يوفر الشفافية اللازمة للمساءلة العامة دون إغفال الحماية الضرورية لبيانات المستثمرين واستقرار المراكز القانونية للدول.

ما هو نطاق تطبيق قواعد الشفافية على المعاهدات القديمة واللاحقة؟

ينقسم نطاق تطبيق قواعد الشفافية وفقاً لتاريخ إبرام معاهدة الاستثمار إلى فئتين أساسيتين مع وجود ضوابط محددة لكل منهما:

1. المعاهدات المبرمة قبل 1 نيسان/أبريل 2014 (المعاهدات القديمة):

  • شرط الاتفاق: لا تنطبق قواعد الشفافية على هذه المعاهدات تلقائياً بل تتطلب موافقة أطراف المعاهدة ذات الصلة أو اتفاق الأطراف المتنازعة على تطبيقها.
  • آلية العرض: تُعتبر الاتفاقية أداة تسمح للدول التي أبرمت معاهداتها قبل هذا التاريخ بإبداء موافقتها على تطبيق قواعد “الأونسيترال” بشأن الشفافية.
  • حالة عدم التحفظ: تنطبق القواعد إذا كان المدعى عليه (الدولة) والمدعي (من دولة طرف) لم يبديا تحفظاً بمقتضى المادة الثالثة من الاتفاقية سواء أقيمت الدعوى بمقتضى قواعد الأونسيترال أو غيرها.

2. المعاهدات المبرمة في 1 نيسان/أبريل 2014 أو بعده (المعاهدات اللاحقة):

  • التطبيق التلقائي: تنطبق قواعد الشفافية على هذه المعاهدات عندما يُستهل التحكيم بمقتضى قواعد الأونسيترال للتحكيم إلا إذا اتفق أطراف النزاع على خلاف ذلك.
  • التحكيم بمقتضى قواعد أخرى: يمكن أيضاً استخدام قواعد الشفافية في التحكيم الذي يُجرى بمقتضى قواعد غير قواعد الأونسيترال أو في الإجراءات المخصصة “Ad hoc”.

3. ضوابط عامة لنطاق التطبيق:

  • أطراف النزاع: يجب أن يكون التحكيم بين مستثمر ودولة (أو منظمة تكامل اقتصادي إقليمية) حيث لا تنطبق هذه القواعد على المنازعات التي يكون طرفاها مستثمرين فقط حتى وإن كانت دولهم أطرافاً في المعاهدة.
  • استبعاد بند الدولة الأولى بالرعاية: حظرت الاتفاقية على المدعي الاستناد إلى “بند الدولة الأولى بالرعاية” لمحاولة توسيع نطاق تطبيق قواعد الشفافية لتشمل حالات لم تكن لتخضع لها في الأصل بموجب الاتفاقية.
  • تغليب القواعد: في حالات معينة لا يُطبق الحكم الذي يقضي بغلبة أحكام المعاهدة عند التعارض مع قواعد الشفافية وذلك لضمان فعالية تطبيق إجراءات الشفافية المنصوص عليها.
  • النسخة المطبقة: عند انطباق القواعد تُعتمد أحدث صيغة منها ما لم يكن لدى الدولة المدعى عليها تحفظ محدد على تلك النسخة.

 

المصادر: 

  1. د. محمود محمد المغربي، د. محمود علي الملحم – نحو الشفافية في التحكيم التعاهدي الاستثماري – تمايز “مشروع ” أم مغامرة مصيرية في ظل سرية تقليدية – بحث منشور في مجلة البحوث القانونية والاقتصادية – العدد 59 أبريل 2016 – منشور على موقع نحو الشفافية في التحكيم التعاهدي الاستثماري.pdf تاريخ الدخول 29 /9 / 2025 الساعة 1.27 ظهرًا .  
  2. د. عمرو زكريا صاوي عبد الرحمن – شرح قواعد الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول لعام 2014 في إطار قواعد القانون الدولي العام – منشورة بمجلة حقوق حلوان للدراسات القانونية والاقتصادية – ص288. منشور على موقع شرح اتفاقية الشفافية.pdf تاريخ الدخول 29 /9 / 2025 الساعة 2.30 ظهرًا. 
  3. هذا التعريف ورد بالفصل الخاص بسجل الشفافية المرفق بالاتفاقية ومنشور على موقع سجل الشفافية | لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي تاريخ الدخول 29 /9 / 2025 الساعة 4.43 عصرًا. 
  4. د. عمرو زكريا صاوي عبد الرحمن – شرح قواعد الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول لعام 2014 في إطار قواعد القانون الدولي العام- المرجع سالف الذكر – ص 312. 
  5. ديباجة قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول – والمنشور على موقع قواعد الأونسيترال بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول (تاريخ النفاذ: 1 نيسان/أبريل 2014) | لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي تاريخ الدخول 30 /9/ 2025 الساعة 12.56 ظهرًا. 
  6. المادة (2 /2) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الشفافية في التحكيم التعاهدي بين المستثمرين والدول الصادرة بمقتضى قرار الجمعية العامة بتاريخ 10 ديسمبر 2014 منشورة على الموقع United Nations Convention on Transparency in Treaty-based Investor-State Arbitration تاريخ الدخول 30 /9 /2025 الساعة 13.31 ظهرًا. 
  7. المادة (2 /3) من ذات الاتفاقية. 
  8. المادة (2/ 4) من ذات الاتفاقية. 
  9. المادة (2 /5) من ذات الاتفاقية. 

Stay Connected

ابق على اتصال